>

فيدل كاسترو: الثوري أم الطاغية؟

رأي القدس


انقسم السياسيون والجمهور العام في العالم على الموقف من رحيل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، فالبعض عاد إلى خزانة المصطلحات السياسية القديمة حول الشيوعية ومعاداة الامبريالية (كما فعل الرئيس الصيني ورؤساء كثر في أمريكا اللاتينية والرئيسان الإيراني)، فيما اكتفى البعض باستذكار الواقعيّ: التنمية الذاتية والرعاية الصحية والتعليم (كما فعل جاستين ترودو رئيس وزراء كندا والزعيم السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف)، أو باعتباره شخصية تاريخية مؤثرة (كما فعل باراك أوباما ومسؤولون أوروبيون كثر)، انتهاء بدونالد ترامب ونائبه اللذين اعتبرا كاسترو دكتاتورا وحشيا وطاغية.
بغض النظر عن الاختلاف في الآراء حول الزعيم الكوبيّ الراحل فإن الواضح من ردود الفعل العالمية والشعبية الهائلة على وفاته أن كاسترو يلخص في شخصه والبلاد التي حكمها (والحوادث التي أدت لاستلامه السلطة والنجاة من محاولات الاغتيال الكثيرة والصمود أمام تغيّرات التاريخ العاصفة) تناقضات العصر الحديث ومآلاته العجيبة.
قدّمت وفاة كاسترو مناسبة لمقاربة الإلهام الذي قدّمته الثورة الكوبية للثورات العالمية التي وجدت معنى كبيراً في قدرتها على مقارعة الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت أقرب البلدان جغرافياً لكوبا، وهو أمر انعكس على حركات ثورية كثيرة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، كما كان لتعاطفه مع ثورات الجزائر ومصر وفلسطين ودوره في حركة عدم الانحياز دور كبير في إعطائه رمزيّة كبيرة.
هي مناسبة أيضا لتفحّص الحقيقي والأسطوري في تجربة الزعيم الراحل وانتصاره عام 1959 على حاكم كوبا المزمن الكولونيل باتيستا، فوهج هذا الانتصار غير المتوقع وما تبع ذلك من أزمة تاريخية هائلة عام 1961 كادت تفضي إلى صراع نووي مميت بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي إضافة إلى ترافق هذه الظاهرة مع ظهور أسطورة غيفارا، الثوري الأرجنتيني الشهير الذي شارك كاسترو ثورته وبعدها ترك مناصبه الكبيرة (كوزير للاقتصاد ومدير للبنك الوطني الخ…) لينتقل لخوض حرب عصابات لـ»مقاتلة الامبريالية» في العالم ولينتهي قتيلاً في غابات بوليفيا عام 1967.
هذه الأحداث الخطيرة والأساطير اللاحقة رفعت جداراً هائلاً يمنع رؤية التفاصيل المهمة حول كاسترو وحركته وأسباب نجاحها، ومنها أن قراره بالنضال المسلح كان بعد انقلاب فولغنستو باتسيتا الذي قضى على طموح كاسترو بالترشح لمجلس النواب الكوبي بعد تخرجه من الجامعة كمحام، وأن كاسترو أخفى، حتى عن بعض رفاقه، ميوله الماركسية، وقدّم نفسه، في مقابلة مع «نيويورك تايمز»، إلى الأمريكيين كمدافع عن عودة الديمقراطية، وأن صراعه مع باتيستا ترافق مع التراجع الأمريكي عن دعم الأخير وصولاً إلى حظر تزويده بالسلاح وبذلك ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية، عمليّاً، في إسقاط باتسيتا وصعود كاسترو الذي عيّن مجموعة من الوزراء المعتدلين وزار أمريكا بعد ستة شهور من استلامه السلطة والتقى نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، ريتشارد نيكسون، وما زال المنفيّون الكوبيون إلى أمريكا، حتى الآن، يعتبرون أن لقاء «نيويورك تايمز» بكاسترو، والتغطيات الكثيرة التي قام بها الصحافي لخمس سنوات لاحقة، قد ساهمت في خلق أسطورة كاسترو وخلقت تعاطفا أمريكيا شعبيا ورسميا مع حركته، مما ساهم في نجاحها، ولأهمية هذا الحدث فقد سجّل في متحف «الثورة الكوبية» بهافانا وكذلك على يافطة حجرية في مكان اللقاء في أعالي جبال سييرا مايسترا.
لم يدقّق المحللون في التناقض الواضح بين نجاح كاسترو وسقوط شريكه تشي غيفارا قتيلا بعد سنتين فقط من بدء «حرب عصابات عالمية»، ففي الأولى نجح كاسترو في خداع الأمريكيين (والكوبيين أنفسهم) في اعتبار حركته محاولة لاستعادة الديمقراطية من دكتاتور وليست حركة لتأسيس نظام دكتاتوري جديد مرتبط بخصمهم الأيديولوجي الكبير، الاتحاد السوفييتي، وهو ما وفّر فرصة تاريخية لا تتكرر له للتغلب على قوات خصمه الكولونيل القويّ (الذي كان قد اعتقل كاسترو بعد محاولة سابقة للاستيلاء على قاعدة عسكرية ثم أطلقه بعد سنتين)، بينما كان غيفارا يقاتل الحكومة البوليفية وحلفاءها الأمريكيين بأجندة أسطورية في شجاعتها ولكن إمكانيات نجاحها صفريّة.
أما ما حصل بعد ذلك فضاعت معه التفاصيل التي تهم الكوبيين أنفسهم وأهمّها، أنهم كانوا يأملون، بعودة الديمقراطية ففوجئوا بالدكتاتورية، وبالعدالة الاجتماعية فانتهى الأمر بهم في مهاوي الفقر، وبالسيادة الوطنية فأصبحوا مخلباً في إطار الصراع الهائل بين تيّارين سادا العالم وحين انتهى لم يعد هناك معنى لكاسترو وثورته إلا في الذكريات التي ينتقي منها كل جزء من العالم ما يريد.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا