>

الأردن على «خط النار»… ماذا نحن فاعلون؟ - بسام البدارين

الأردن على «خط النار»… ماذا نحن فاعلون؟
بسام البدارين
Jan 03, 2018

البحث عن ثغرة من أي نوع في جدار الدولة الأردنية أصبح أشبه بهستيريا كوميدية تحاول اختلاق وابتكار سيناريوهات متخيّلة خارج المنطق والواقع، لكنّها تؤشر في الوقت ذاته إلى أن هذا البلد الذي حادت عنه موجة الربيع العربي عام 2011 بعبقرية مؤسساته ووطنية شعبه وأخلاقيات مكوناته لسبب او لآخر أصبح فجأة في سياق الاستهداف.
التفاصيل؛ خصوصًا خلال العشرة أيام الماضية، كانت مضحكة للغاية، ليس لأن الأردن مُحصّن ضدَّ فايروس الأقاويل والإشاعات والتكهنات فهو ليس كذلك.
ولكن؛ لأن من يشرف على التقولات والاستهدافات يبدو أنه لا يتميز بالمهارات اللازمة ولا يُراكم المعرفة الضرورية بصورة تعكس أنيميا بائسة في الخبرة بالأردن والأردنيين، وفي تلك التوازنات داخل مؤسسات الدولة الأردنية التي يخفق بعضها بالمناسبة في التعاطي، بالمقابل، مع حرب إشاعات.
إعلامي متقاعد يشعر بالضجر والوحدة، مثلا، في أحد أحياء نيويورك يقترح حصول انقلاب في الأردن فينشر نصًا يثير حساسيات مؤسسات عريقة محلية من دون أي مبرر.
على سبيل المثال أيضًا، تُفبرك صحيفة صفراء في بريطانيا مثلا قصة خيالية، فيندفع الأردنيون على قلب رجل واحد للنفي والتصدي والتحدي وبتلك اللغة الخشبية التي تنتمي للماضي.
او تتقاطع الأجندات في محاولة لتأسيس مجموعة بائسة تزعم أنها تمثل معارضة الخارج فتشاغب وتناكف وكل ما تفعله هو التعامل مع كيس هواء منتفخ فقط، حيث أن تركيبة الأردني بطبيعته وإن وجدت فعلا ما تعارضه لا تقبل فكرة المعارضة بالخارج.
في الأردن وللإنصاف، لا يوجد معارضون في الخارج، يزيد عددهم على أصابع اليد الواحدة، ولا يوجد ولا معارض واحد في الخارج لديه مصداقية أو حضور أو حتى تيار من الوزن الخفيف في الداخل، ولا يوجد أقليات مضطهدة أو مظلومة، بل على العكس تماما، توجد أقليات تشكو من كثرة التضامن الاجتماعي والرسمي معها، ويسهر الأردنيون على أمنها وراحتها.
وحتى عندما يتعلق الأمر بالمظلومية المتعلقة بشرائح اجتماعية يفهم الجميع أن أمن الأردن واستقراره خط أحمر، ولا توجد تجارب مثل التجربة السورية او العراقية والحمد لله طبعا حيث لم تخطف زوجات او بنات ولم تسحق عائلات، وحيث تقاليد راسخة تكرس القناعة أن أقوى عقوبة ]و انتقام لأي معارض أردني قد لا تزيد على سجن مدة عام أو توقيف عدة أيام يعقبهما بالعادة عفو ملِكي.
يعرف الأردنيون في مجتمعهم مواطنا مشاغبا مناكفًا جدًا يعارض النظام، لا بل يشتمه في بعض الأحيان ويطلق على نفسه اسم «رئيس جمهورية الأردن».. صاحبنا ورفاقه يستخدمون هذا الاسم علنًا ومنذ سنوات طوال، وأقسى رد من الدولة تعرض له الرجل هو التوقيف مع التوبيخ عدة أيام.
لذلك تبدو القصة من طراز « ليلة الانقلاب على الملك في الأردن «مثيرة جدًا للسّخرية، ليس لأن الواقع الأردني الموضوعي لا يحتمل الانقلابات من أي نوع بالمناسبة. ولكن لأن ذلك لم يحصل ومن الصعب توقع أن يحصل وتحت أي ظرف، والأهم أن ذلك برز بعد الموقف العلني الجريء للقيادة الأردنية في ملف القدس، وبعدما أصبحت الوصاية الهاشمية على المقدسات شئنا أم أبينا.. اعترضنا عليها أم بصمنا.. هي المعادل الوحيد واليتيم اليوم لمواجهة جبروت العدو الإسرائيلي ومشروعه في تهويد القدس والمقدسات، وهو بكل حال مشروع يؤيده للأسف بعض العرب.
لست شغوفا بخيار الدفاع عن المؤسسات الأردنية، فهي لا تستمع أصلا وطوال الوقت لِي أو لِغيْري من أصحاب الرأي او المستقلين، وهي مليئة جدًا بمن يقتضي واجبهم الدفاع عن خياراتها، سواء من الذين يدافعون بوطنية ومسؤولية، او من الذين تم تسمينهم على حساب حتى الشعب الأردني وأسهموا في السحب من رصيد النظام.
لكن أعرف بحكم العمل المباشر، أن كل ما قيل من قصص وروايات بعد حادثة إحالة ثلاثة من الأمراء على التقاعد، يعبر عن مناكفة بائسة وسقيمة لا أصل لها، وتعاكسها الوقائع، لا بل تؤدي لاحتفال الدولة الأردنية مادام المعارضون لها أو المتآمرون ضدها في الخارج او في دول شقيقة وصديقة وحليفة بكل هذا الضعف والبؤس المهني.
من يخططون لإزعاج النظام في الأردن بقصص وحكايات مفبركة أقرب للتفكير الرغائبي من الواقعي يخدمون في الواقع كل تلك القوى المحافظة والكلاسيكية في المستوى الرسمي، وتحديدا تلك القوى التي لا تؤمن بإشعال الضوء، وتتخذ موقفا سلبيا حتى من الكهرباء، فلو كنت مكان أي مسؤول أردني غير ديمقراطي، لاحتفلت فورًا بسلسلة الأكاذيب التي بدأت تروجها بعض وسائط ووسائل الإعلام التي يبدو واضحا أنها تهرف بما لا تعرف عن الأردنيين.
طبعا ذلك لا يعني أن الدنيا «قمرة وربيع» في بلد مثل الأردن، فالأخطاء كثيرة والنخبة ضعيفة، والحلقات الوسيطة خاملة وكسولة، وطبيعة الردود الرسمية على الفبركات التي تصب في الظلام متهالكة وردة الفعل متأخرة جدا ولا تتميز بالاحتراف والذكاء.
لست سعيدا إطلاقا بالأداء الرسمي عندما ينفعل الجميع مقابل إشاعة او معلومة خطأ.
ولست سعيدا عندما أرى بلدي يتوتر ويتلقف الناس فيه تلك الروايات السلبية، لأن بعض الأذرع الرسمية تخفق تمامًا في ترويج الرواية الإيجابية، والمواقف النبيلة، وفي التحدث عن قصص النجاح مقابل تراكم قصص الفشل والإخفاق وفي عدة ملفات.
هي مجددا وللمرة الألف أزمة الأدوات، حيث الأداء المراهق لبعض الرموز وردة الفعل المتأخرة، وحيث تآكل مصداقية من يتحدث باسم الدولة او لمصلحتها.
الإشاعات ستتواصل والأردن اليوم على خط النار كما يقول المفكر السياسي عدنان أبو عودة. وسؤالي ؛ ليس من باب المعارضة إطلاقًا: ماذا نحن فاعلون؟.. هل حقًا يخطط المستوى الرسمي لمواجهة تزاحم التحديات الكبرى بالعقلية نفسها وبالأدوات والوجوه الحالية ذاتها؟.. أتخيّل أحيانًا أن الاستمرار في طرح هذا السؤال عبثيٌ، لأن القاعدين داخل المؤسسة الرسمية محتفلون بتلك الفبركات التي تخيف الناس وتربكهم أكثر من أي شيء آخر.

٭ إعلامي أردني



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا