>

مهمة الرئيس الجديد للبرلمان الأوروبي: إعادة الثقة بأوروبا موحدة

من أهم التحديات المطروحة اليوم أمام رئيس البرلمان الأوروبي الجديد أنطونيو تاياني العمل على إعادة الثقة إلى المواطنين الأوروبيين بالمؤسسات الوحدوية الأوروبية وبالبناء الوحدوي الأوروبي الذي لم يكتمل بعد، وتبدو العملية معقدة أيما تعقيد في الفترة الحالية التي تشهد فيها دول الاتحاد الأوروبي تنامي الحركات اليمينية المتطرفة وتنامي حركات يسارية شعبوية تنظر كلها إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي باعتبارها عدوا للمواطنين الأوروبيين لا إطارا يستطيعون من خلاله تحسين أوضاعهم المعيشية واقتطاع مكان لأنفسهم في العالم أفضل مما هو عليه الأمر اليوم.

وهذا ما جعل الإيطالي أنطونيو تاياني البالغ من العمر الثالثة والستين والذي انتُخب يوم السابع عشر من شهر يناير الجاري رئيسا للبرلمان الأوروبي يقول في رده على سؤال حول الموضوع طرحته عليه صحيفة "لاكروا" الفرنسية خلال حملته الانتخابية إن همه الأساسي بعد فوزه يتمثل في جعل البرلمان الأوروبي الذي يتخذ من مدينة ستراسبورغ الفرنسية مقرا له وسيلة فاعلة "للتقرب من المواطنين الأوروبيين وشرح فضائل المؤسسات الوحدوية الأوروبية عليهم وجعلهم يثقون من جديد بمعنى المشروع الأوروبي ويدركون أن أوروبا تحمل إليهم في سياق حياتهم اليومية قيمة مضافة حقيقية".

والواقع أن الإيطالي أنطونيو تاياني الذي خلف الألماني مارتن شولتز على رأس البرلمان الأوروبي لديه عدة أوراق يعتزم استخدامها للنجاح في كسب أهم تحد مطروح أمامه اليوم أي المساهمة مع كل مسؤولي المؤسسات الوحدوية الأوروبية في إعادة ثقة المواطنين الأوروبيين بأوروبا وبمؤسسات الاتحاد الأوروبي المتعددة وأهمها المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي أي الأطراف الثلاثة التي تقود اليوم المسار الوحدوي الذي يمر بأزمة انعدام ثقة كبيرة لدى المواطنين الأوروبيين بالمؤسسات الأوروبية ترجمها الاستفتاء الذي نظم مثلا في بريطانيا العظمى في الثالث والعشرين من شهر يونيو الماضي وانتهى بفوز المواطنين البريطانيين الراغبين في الخروج من الاتحاد الأوروبي على المواطنين الراغبين في بقاء بريطانيا العظمى في إطاره.

تجربة مهنية وسياسية مهمة

ومن الأوراق التي يملكها أنطونيو تاياني والتي يمكن أن تساعده على كسب التحدي المطروح أمامه شخصيته ومساره المهني والسياسي في بلده الأم أو داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فقد خاض حملته الانتخابية لخلافة مارتن شولتز بعدة لغات ولاسيما عبر أربع يتقنها هي الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية. وإذا كان تاياني قد تعلم الفرنسية والإنجليزية خلال دراسته الثانوية وعندما درس القانون في الجامعة، فإنه اضطر إلى تحسين لغة شكسبير واللغة الإسبانية عندما امتهن مهنة الصحافة المكتوبة والمسموعة لسنوات طويلة وعندما أصبح ضابطا في سلاح الجو الإيطالي قبل أن يدخل عالم السياسة من خلال المشاركة في تأسيس حزب "فورزا إيطاليا" الذي أنشأه رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سلفيو برلسكوني عام 1994، وبعد أن شغل أنطونيو تاياني لبعض الوقت ناطقا باسم برلسكوني، انتُخب نائبا في البرلمان الأوروبي قبل تعيينه عضوا من أعضاء المفوضية الأوروبية أي جهاز الاتحاد الأوروبي التنفيذي حيث تولى مهام المفوض المكلف بالنقل ثم مفوضا مكلفا بالصناعات والمقاولات، وتقلد هذا المنصب إلى عام 2014 أي السنة التي عاد فيها إلى البرلمان الأوروبي حيث انتمى إلى عدة لجان منها أساسا لجان الشؤون الخارجية والدفاع والأمن.

وصحيح أنه أمام رئيس البرلمان الأوروبي الجديد عقبات كثيرة تحول دونه ودون التوصل بسهولة إلى كسب التحدي المتمثل في المساهمة في إعادة الثقة إلى المواطنين الأوروبيين بشأن المؤسسات الوحدوية، ومنها مثلا انتهاء فترة التفاهم الضمني الذي كان قائما حتى الآن بين مجموعتين أساسيتين داخل البرلمان الأوروبي هما المجموعة التي ينتمي إليها والمنضوية تحت ما يعرف بـ"الحزب الشعبي الأوروبي" أي المجموعة التي نجد فيها نوابا ينتمون في بلدانهم إلى أحزب اليمين ووسط اليمين ومجموعة "الاشتراكيين الديمقراطيين" والتي ينتمي إليها مارتن شولتز رئيس البرلمان الأوروبي المنتهية مهامه، وقد فضل هذا الأخير العودة إلى ألمانيا لمواصلة العمل السياسي على المستوى الوطني.

ومع ذلك، فإن بين أيدي رئيس البرلمان الأوروبي الجديد أوراقا مهمة يمكن ان يستخدمها لمحاولة النجاح في كسب التحدي المطروح أمامه منها أن البرلمان الأوروبي هو المؤسسة الأوروبية الوحيدة التي يُنتخب أعضاؤها بواسطة الاقتراع المباشر من قبل المواطنين الأوروبيين وأن معاهدة لشبونة الأوروبية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2009 تمنح هذا البرلمان صلاحيات واسعة لم تكن لديه من قبل منها مثلا تلك التي تُشركه بشكل أفضل مما كان عليه الأمر من قبل في مراقبة أداء المؤسسات الأوروبية الأخرى وبخاصة المفوضية الأوروبية وتجعله الطرف الذي يبت في اختيار رئيس المفوضية ويشارك في تعيين أعضائها وفي الموافقة على الاتفاقيات التي يبرمها الاتحاد الأوروبي مع أطراف خارجية أو رفضها.

ولعل أهم اختبار ينتظر رئيس البرلمان الأوروبي الجديد هو احتفال دول الاتحاد الأوروبي يوم الخامس والعشرين من شهر مارس المقبل بمرور ستين عاما على ما يسمى "معاهدة روما" التي تم الوقيع في إطارها على اتفاقين مهمين في مسار الاتحاد الأوروبي يتعلق أحدهما بإنشاء ما كان يسمى "المجموعة الاقتصادية الأوروبية"، أما الاتفاق الثاني فهو يرمي إلى إنشاء "المجموعة الأوروبية للطاقة النووية".

والسؤال المطروح اليوم هو التالي: كيف يمكن لرئيس البرلمان الأوروبي الجديد استغلال الاحتفال بهذا الحدث المفصلي في مسار الاتحاد الأوروبي لتقريب أوروبا من مواطنيها وجعلها جزءا هاما من هوية كل واحد منهم؟



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا