>

مكافحة الفساد على الطريقة الصينية!


الفساد موجود في كل مكان وزمان، في الافراد والمجتمعات والدول الغنية والفقيرة، المتقدمة والمتأخرة من التي يتحكم فيها الدين او المجتمعات المنفتحة او المنفلته والتي ربما لا تؤمن بدين او تحكمها فلسفات وجودية مادية، المهم ان الفساد موجود ويمكن ان ينتشر ويتوسع فيها كلما وجد الارضية او البيئة التي تساعده على النمو والانتشار والتوسع، وهو مرض يتحول الى وباء اشرس واقسى من كل الامراض الاوبئة التي عرفتها الانسانية في تاريخها الطويل مثل الجدري والطاعون والكوليرا والايدز والسرطان وايبولا وغيرها مما هو معروف او قادم من الامراض ، لانه يتحالف ويتآلف وينمو وينتشر مع كل ماهو غير قانوني وغير انساني من العواطف والنزعات والشهوات والاهواء، كي يحقق المنفعة والفائدة للفاسدين وعوائلهم واقربائهم والمستفيدين منهم، وهو اخطر من الارهاب والحروب والانقلابات العسكرية الدموية، بل واخطر من كل الجرائم لانه المفتاح والطريق لكل خراب ودمار.

في بلادنا سيطرت الطبقات السياسية واستحوذت وملكت كل شئ ولم يبق الا الهواء بانتظار حجزه (وتعليبه) كما فعلوا بالاراضي التي تم تسييجها في كل مكان، والاملاك والطرق والجبال والمولات والمدن السياحية والسكنية والشركات وعقارات الدولة التي تحولت من الملكية العامة الى ملكية افراد محددين سواء كانوا حقيقين ام مزيفين كما هو معروف او يشاع من انها ملكية الساسة واولادهم وعوائلهم واصهارهم وحماياتهم وابناء عمات خالات من خدمهم او سلُم عليهم في يوم ما من ايام نضالهم وحياتهم.

لقد اصبح الحديث عن الفساد كلاما مكررا غير مؤثر ومجدي او مفيد لان الناس ملوا وهم يعرفون كل شئ عن الفاسدين وهوياتهم وارتباطاتهم، والفساد ينتشر ويتوسع في بلداننا وتكاد تعجز كل الخطوات والقرارات ولجان الاصلاح والمحاسبة وتعقب الفاسدين، وتقارير منظمة الشفافية الدولية تشير الى اعداد بالملايين قدموا رشوات من اجل الحصول على حقوقهم الاساسية.

لكن المهم والفرق يظهر في بعض الدول التي يتراجع ويكاد يتلاشى فيها الفساد لان الاجراءات والقوانين والمعالجات هي حقيقية وناجحة وصارمة بحيث لا تستثنى او توفر حصانة لاحد، بينما في بلادنا اختلطت الامور ببعضها وتحول السياسي الى تاجر وصاحب مستشفى ومورد ادوية واغذية وهو شريك لكل تاجر ومستثمر، فكيف يمكن محاسبة المقصرين والفاسدين والمتلاعبين بقوت ودواء وحياة المواطنين اذا كان السياسي الحاكم والمتهم واحد؟!.

التجربة الصينية مهم ومفيدة جدا في مكافحة الفساد في هذا البلد الاكثر عددا من حيث السكان والذي يحقق نجاحات وانجازات تكاد تجعله المسيطر على عالم التجارة والصناعة والمال في العالم، فقد ادت سياسات الانفتاح وإطلاق حرية القطاع الخاص والنمو المتسارع للاقتصاد والثروات إلى خلق فجوة هائلة فى الدخل والثروة وازدياد الفساد، وهو ما أدى الى اضعاف سلطة الحزب الواحد وبدئوا سنة 2013 حملة قومية شاملة لمحاربة الفساد بخطوات:

1- الزام السلطات الصينية المسؤولين وزوجاتهم على زيارة السجون لتحذيرهم من إغراءات الفساد، وهي خطوة تحذيرية و تثقيفية تسمح لهم بالاطلاع على الحياة خلف القضبان، وزيارة معارض وقاعات يتم فيها عرض صور وروايات مكتوبة لمسؤولين قابعين في السجن ، وسماع شهادات قدمها سجناء مدانون بالفساد.

2-مراقبة وتفتيش المسئولين، ومتابعة السلوكيات غير المشروعة مثل المتاجرة بالنفوذ وإساءة استغلال السلطة والرشاوى، والغاء أساليب العمل الضارة كالبيروقراطية والشكلية والرفاهية والبذخ والتراخى فى القيام بالواجبات.

3-التطبيق الحازم للقواعد التى تحتم على المسئولين الإبلاغ عن الأصول المالية والدخول الخاصة بهم وبأسرهم وأى أنشطة استثمارية لهم، وأنشاء خطوط ساخنة ومواقع مضادة للفساد على الإنترنت، وعززت النيابة العامة أعمالها فى جمع الأدلة وحماية المبلغين والشهود.

4-وضع معايير قواعد تحكم مزايا المسئولين ورفاهيتهم، على أساس مستوى المسئول تتضمن المنازل والسيارات والحفلات والاجازات والحراسة الأمنية، والمحاسبة الفورية والحاسمة على كل ما يزيد على تلك الميزات أثناء الوظيفة وما بعد خروجهم منها.

حصاد التجربة الصينية في مكافحة الفساد هو ادانة(31,555) مسئول بجرائم لها صلة بالعمل خلال العام الماضى، وتلقى(33%) منهم عقوبة السجن لأكثر من 5 سنوات، وكان(680)منهم يتقلدون مناصب رفيعة فوق مستوى المحافظة، عن جرائم الاختلاس والرشوة والتقصير فى العمل وانتهاك المصالح الشخصية والحقوق الديمقراطية للمواطنين، كما تمت معاقبة( 38،135) شخص بتهمة انتهاك لوائح مكافحة البيروقراطية ومخالفة انضباط العمل واستخدام الأموال العامة فى الأنشطة الترفيهية والكسل والبطء فى العمل.

كذلك قامت السلطات بالتحقيق مع ومعاقبة(829)ممن القضاة وموظفى المحاكم وتم احالة (157) للمحاكمة لتلقيهم مكاسب غير مشروعة، وفرضت عقوبات على آخرين لارتكابهم لمخالفات انضباطية، كما وسعت السلطات حملتها لتشمل محاربة ومكافحة جرائم تجارة الجنس والدعارة والقمار والمخدرات ومعاقبة القائمين عليها.

كما أعلن ان حوالي( 300 الف) مسئول تمت معاقبتهم فى انحاء البلاد خلال العام 2015 بسبب تهم الفساد، والتعهد بالاستمرار فى الحملة الوطنية للتطهير والقضاء على الفساد وتطبيق عقوبة الاعدام على المتهمين بالفساد الذين يثبت انهم قاموا بإختلاس المال العام او تلقوا رشاوى بمبلغ 3 ملايين يوان (463 الف دولار امريكى) أواكثر وذلك اذا ثبت كذلك ان ما قاموا به من جرم نتج عنه اضرار خطيرة للمجتمع، وتم التأكيد ان الجرائم المرتبطة بالفساد تضر بشكل خطير بمصالح البلاد والشعب ، وأن الصين تولى دائما اهتماما خاصا لمنع مثل هذه الجرائم ، ومعاقبة مرتكبيها، وان المدانيين بالفساد يجب ان يخضعوا لعقوبات صارمة تصل الى عقوبة الاعدام على 13 جريمة مرتبطة بالاقتصاد وغير المرتبطة بالعنف مثل الرشوة والاختلاس وتهريب الآثار والإحتيال وتزوير الضرائب وهي تشكل20% تقريبا من 68 جريمة يعاقب عليها بالاعدام، وفي شباط 2015 تم تنفيذ حكم الإعدام في عملاق قطاع الاعمال (ليو هان) مالك مجموعة (هان لونغ) وهي شركة خاصة ضخمة في أعمال المناجم والاتصالات والكيماويات، كما نفذ حكم الإعدام أيضا في شقيقه الأصغر وثلاثة من شركائه في المجموعة،.. اما في بلادنا فقد وصلنا الى القناعة بأن تحقيق العدالة اصبح مستحيلا لذلك أصبح مطلبنا العدالة في توزيع اللاعدالة بين المواطنين.

القاضي

عبدالستار رمضان

نائب المدعي العام

اقليم كوردستان العراق

Sattar88@hotmail.com



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا