>

مشروع «الإخوان المسلمين» .. إما فى الحكم .. أو الحاكم فى قبضتهم

د. عاصم الدسوقي

بعد فشل محاولة الإخوان المسلمين في إغتيال جمال عبد الناصر في 26 أكتوبر 1954 بالإسكندرية على نحو ما هو معروف، اشتدت حملة الاعتقالات هنا وهناك وحتى يوم 27 نوفمبر تم اعتقال 70% من أعضاء الجهاز السري للإخوان البالغ عدده 700 عضو مع تقديمهم للمحاكمة سريعا. وفي 9 ديسمبر (1954) نفذ حكم الإعدام في ستة منهم: محمود عبد اللطيف، وهنداوي دوير، وإبراهيم الطيب (محام بمكتب هنداوي دوير)، ويوسف طلعت (تاجر حبوب بالإسماعيلية)، ومحمد فرغلي (واعظ بالإسماعيلية)، وعبد القادر عودة، ومن لم يعتقل منهم اختفى عن الأنظار أو غادر البلاد سرا إلى بعض البلاد العربية مثل سوريا والمملكة العربية والسعودية وإمارات الخليج العربي التي كانت آنذاك تحت الهيمنة البريطانية (انسحبت بريطانيا من الكويت في 1961 وانسحبت من باقي الإمارات 1971). ونزل من أفلت منهم تحت الأرض لإعادة تنظيم أنفسهم مرة أخرى.

وفي المعتقل وقع انشقاق شديد في الرأي بين الإخوان بشأن الموقف الواجب اتخاذه من حكم عبد الناصر، فبينما كان البعض يرغب في تصفية الخلاف مع ناصر لإخراج الاخوان من السجون، رأى البعض الآخر أن الاتصال بالحكومة يعني الاعتراف بها وهي حكومة قامت بتعذيبهم وسجنهم، وأن من يخرج على هذا الرأي يعتبر خارجا على الجماعة وهو بذلك قد أحل دمه في رأي بعضهم أو على الأقل فصل نفسه من الإخوان في رأي البعض، ووصل الخلاف إلى درجة الاشتباك بالأيدي.

وبعد أن تم الإفراج عن بعض الإخوان في نهاية عام 1956 بعد انتهاء العدوان الثلاثي، وفي 1958 بعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا، واصل بعضهم النشاط لإعادة تجميعهم على أسس جديدة أهمها: التربية الإسلامية وليس الانتقام، وعدم ضم الإخوان الذين تم اعتقالهم بدعوى أنهم تحت المراقبة. وهكذا وفي عام 1962 كان التنظيم قد استعاد قوته بقيادة كل من: علي عشماوي، وأمين محمود شاهين، واحمد عبد المجيد عبد السميع، وتكونت مجموعة أخرى بقيادة عبد الفتاح اسماعيل. وقد طلب المرشد العام حسن الهضيبي اندماج التنظيمين وترتيب كيفية اغتيال عبد الناصر عن طريق تفجير موكبه حيثما يذهب.

وآنذاك لم تكن مؤامرات القوى الخارجية لإسقاط عبد الناصر قد انقطعت بمشاركة الإخوان المسلمين ففي أثناء الإعداد للعدوان الثلاثي وضعت بريطانيا خطة للإطاحة بناصر رسمها جوليان آمري رجل المخابرات الذي اتصل بسعيد رمضان (زوج ابنة حسن البنا) مؤسس التنظيم الدولي للإخوان في جنيف بسويسرا وبعدد من الوفديين تقوم على الإتيان بمحمد نجيب للحكم مرة أخرى على أن يصبح الدكتور محمد صلاح الدين وزير خارجية الوفد (1950-1952) رئيسا للوزارة، لكن الخطة لم تتم. واتصل التنظيم في شكله الجديد بسيد قطب وكان قد خرج من السجن (إفراج صحي) في 1964 وأعدوا عدتهم للقيام بانقلاب ضد عبد الناصر واشترك في الترتيب سعيد رمضان فلما اكتشفت السلطات المؤامرة أسرعت باعتقالهم وعلى رأسهم سيد قطب في التاسع من أغسطس 1965.

وباعتقال قيادات الإخوان للمرة الثانية على ذلك النحو انطوت صفحة هذه الجماعة من كتاب الحياة السياسية في مصر ولم تقم لهم قائمة في حياة عبد الناصر إلى أن أفرج عنهم الرئيس السادات في مايو 1972 وأعاد لهم نشاطهم. ولقد جاء ذلك الإفراج امتثالا لطلب الحكومة الأمريكية التي سربته للسادات عبر قنوات مخابراتية مع طلب طرد الخبراء السوفيت من الجيش المصري إذا أراد السادات من أمريكا أن تتدخل لحل الصراع مع إسرائيل خاصة بعد أن أعلن السادات أن 99% من أوراق حل هذا الصراع في يد الحكومة الأمريكية.

وشعر الإخوان بعد إفراج السادات عنهم بان المناخ السياسي قد أصبح ملائما لهم وذلك عندما رفع السادات شعار »دولة العلم والإيمان« ليستخدمه ضد خصومه من اليساريين والقوميين، فتلقف الإخوان الشعار ووظفوه عمليا في تكوين قيادات إسلامية للمستقبل.

وفي إطار هذا المناخ الممتد زمنيا اندلعت »ثورة« 25 يناير (2011) وتمكن الإخوان المسلمون من السيطرة على مسارها ابتداء من يوم الجمعة 28 يناير، وعندما أعلن عن تنحي مبارك عن الحكم للمجلس الأعلى للقوات المسلحة (11 فبراير 2011) وتم تشكيل لجنة لتعديل الدستور، سيطر الإخوان المسلمون على اللجنة، وجرى الاستفتاء على التعديلات في 19 مارس (2011). ثم تلا ذلك سيطرتهم على عضوية مجلسي الشعب والشوري، وصاحب ذلك اتجاه الإسلاميين في البرلمان نحو »أسلمة المجتمع« من خلال ما كانوا يطرحونه من مشروعات وأفكار في الجلسات التي استمرت زهاء ستة أشهر قبل إعلان بطلان مجلس الشعب (يونيو 2012). وفي هذا قال أحدهم (البلتاجي) »البلد بلدنا واللي مش عاجبه يروح كندا أو استراليا« وهي إشارة لها مغزاها، وغير ذلك من أقوال وأحاديث زادت من مخاوف غالبية المصريين من وصول هؤلاء إلى الحكم.

ولما تولى محمد مرسي مرشح مكتب الإرشاد، رئاسة الجمهورية (30 يونيو 2012) تكشفت نياتهم تدريجيا نحو إقامة حكومة دينية فيما اصطلح على تسميته بـ »أخونة الدولة«، إذ بادر بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أصدره (17 يونيو 2012) قبيل إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة، وأصدر إعلانا جديدا (21 نوفمبر) حظر بمقتضاه جواز الطعن على قراراته منذ توليه الرئاسة في 30 يونيو من ذلك العام. ولما كان الطعن على قراراته سيكون أمام القضاء بطبيعة الحال فإنه بهذا يكون قد أمسك بالسلطات الثلاث في يده: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأصبح لا معقب على كلماته. وفي تعليقه على الاعتراضات التي انفجرت ضده قال أمام مجلس القضاء الأعلى »إنه إعلان مؤقت«، لكن دون تحديد مدة. وتبرع آخرون نيابة عنه بالقول إن المقصود بالإعلان تحصين القرارات السيادية، فدخلنا في دوامة تعريف القرارات السيادية وحدودها ومعناها ومبناها.

ولما اكتشف المصريون أن الإخوان المسلمين تصادموا مع الموروث الثقافي الذي يجمع المصريين منذ فجر التاريخ وجعلهم أمة واحدة متماسكة على اختلاف أعراقهم وديانتهم ومذاهبهم، وأن الإخوان تخلوا عن مصالح الوطن لصالح مفهوم »الأمة الإسلامية« العابرة للقوميات، اندلعت الثورة ضد حكم الإخوان في 30 يونيو 2013 حين تجمع ملايين المصريين يطالبون بعزل الرئيس مرسي وخروج الإخوان من الحكم بعد تجربة عام من المعاناة من حكمهم دون أن ينجزوا شيئا، بل لقد ثبت فشلهم في إدارة شئون العباد والبلاد.

واحتضن الجيش الثورة بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع وتم عزل مرسي في الثالث من يوليو 2013. وتولى المستشار عدلي منصور (رئيس المحكمة الدستورية العليا) رئاسة الجمهورية بصفة مؤقتة لحين وضع الدستور وانتخاب رئيس وفق خارطة للطريق تم رسم معالمها. وهنا فقد الإخوان صوابهم وعادوا إلى تحدي السلطة بمختلف الأساليب من حيث التظاهر الدائم وممارسة العنف ضد الأبرياء وإشعال النيران في مؤسسات الدولة حيثما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. واختفى بعضهم تحت الأرض مرة أخرى مثلما حدث عقب اغتيال النقراشي (ديسمبر 1948)، ومحاولة اغتيال عبد الناصر (أكتوبر 1954) واغتيال السادات (اكتوبر 1981)، وهرب آخرون إلى الخارج وأصبحوا في ضيافة أعداء مصر للعمل ضد الحكم في مصر بهدف إعادة الإخوان للحكم مرة أخرى من حيث العمل على إعادة بناء تنظيمهم مرة أخرى استعدادا للمواجهة.

فلما أصبح عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية (مايو 2014) وهو الذي أخرج محمد مرسي من قصر الاتحادية إلى السجن رهن المحاكمة، زاد سخط الإخوان، فاستمروا في إثارة القلاقل والاضطرابات وممارسة العنف وتهديد أمن المواطنين وتعطيل حياتهم، فلم يجد السيسي إلا أن يعلن أن الإخوان المسلمين جماعة إرهابية لعل دول العالم تضعهم في قائمة المنظمات الإرهابية، ومن ثم يحدث تعاون دولي بقيادة أمريكا ضد الارهاب. لكن يبدو من ظاهر الأحداث أن أمريكا ومعها الاتحاد الأوروبي هم الذين يحددون المنظمات الإرهابية الواجب محاربتها، وأن جماعة الإخوان ليست من بين هذه المنظمات، إذا لا تزال أمريكا تأمل في عودتهم للحكم لتنفيذ الأجندة الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة كما كان واضحا طوال السنة التي حكم فيها مرسي، بل إن الحكومة البريطانية اعلنت مؤخرا ان الجماعة ليست إرهابية

والخلاصة .. إن تصرفات الإخوان المسلمين عبر تاريخهم تؤكد مقولة: إن التاريخ يعيد نفسه بنفس الشكل وبنفس النتائج، وأنهم لم يتعلموا شيئا من ماضيهم ولم ينسوا شيئا مما أصابهم، ويمارسون السياسة بكل وسائل المناورة والخداع والكذب والمداراة لتحقيق الغايات، ولكن عندما يتحدثون إلى الناس يتكلمون عن الفضيلة والأخلاق الحميدة.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا