>

لماذا تفشل الثورات بقيادة النخب؟ - د. نوال السعداوى

لماذا تفشل الثورات بقيادة النخب؟
د. نوال السعداوى

كم من مقالات وكتب تصدر، لا يبقى منها فى الذاكرة إلا القليل أو اللاشيء، لأنها تفصل بين الشخصى والسياسي، بين أنواع القهر المتعددة الواقعة على الشعوب، ونصفها نساء، لأنها تنظر بازدراء للتجربة الذاتية، تدعى الموضوعية، وتنقل من كتب الآخرين، يتصور الكاتب منهم، أنه يزداد قيمة، حين يردد بعض الأسماء المرموقة، خاصة فى الغرب، أو يتعمد التعقيد اللغوى والغموض، أملا فى بث الرهبة فى النفوس، لا يعرف هؤلاء الكتاب أنه لا يبقى فى الذاكرة، إلا البسيط الواضح، أو السهل الممتنع، الذى لا يتحقق إلا لمن يفكر ويكتب بكيانه الكلي، جسدا وعقلا، يكشف تجربته الخاصة والعامة معا، ينزع النقاب عن العورات فى حياته قبل حياة الآخرين، مع الوعى بالتاريخ البشرى القديم، منذ نشوء النظام الطبقى الجنسى الديني، ازدواجية المقدس وغير المقدس، والأرض والسماء، والذكورة والأنوثة، حيث التناقض والخداع، وجذور العار، الذى شعر به العبيد والنساء، كيف انخدعوا بالتربية السياسية الدينية معا، وتصوروا أنهم المسئولون عما يحدث لهم من فقر وقهر، وأن الآلهة والملوك بريئة طاهرة.

منذ طفولتي، كنت أكتم كل ما يتعلق بالفقر فى أسرتي، أو بالأحداث الجنسية فى حياتي، ومنها عملية الختان، التى أجريت وأنا فى السادسة من عمري، أخفيتها فى أعماقي، كالعاهة والإثم الدفين، أو العار المشين، أنا مسئولة عنه، بسبب فساد عقلي، وليس فساد النظام الحاكم.

فى مفكرتى السرية كتبت أفكارى الطفولية، عام 1944، تحت اسم بمذكرات طفلة اسمها «سعاد» ثم أصبحت طالبة بكلية الطب، فى أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ورأيت بعينى وحشية عمليات الختان، التى تجرى للأطفال الإناث والذكور، وشهدت البنات ينزفن حتى الموت، فى هذه العمليات، وفى الكشف عن العذرية ليلة الزفاف، ومآسى الطفلات الخادمات فى البيوت، والقهر الثلاثي، الطبقى الجنسى الديني، الذى يقع على النساء والفقراء.

أدركت الخديعة، واكتشفت السر، الذى يتسربل تحت نشيد: الله. الملك. الوطن، وبدأت أثور بالكتابة العلنية، نشرت كتابى بمذكرات طبيبة» فى منتصف الخمسينيات، حذفت الرقابة أغلب أجزائه، ثم نشرت كتابى «المرأة والجنس» فى بداية الستينيات، جمعه رجال البوليس من الأسواق والمكتبات، كما صودرت مجلة «الصحة» التى كنت أحررها، وفى عام 1972 فقدت منصبى بوزارة الصحة.

كانت الضربات تنهال فوق رأسى من السلطات الأربع، السياسية الطبقية الدينية الذكورية، الحكومية والشعبية معا، كان نقيب الأطباء يتلقى الأوامر من وزير الصحة وشيخ الأزهر، أصبحت منبوذة معزولة فى بيتي، انفض عنى الأهل والأصدقاء، لكن كتاباتى بدأت تتسرب إلى العقول، خارج الأسوار والحدود، ثم تلقيت أول دعوة لحضور مؤتمر نسائى عالمى فى منتصف السبعينيات، حيث قابلت بعض الكاتبات الثائرات ضد السلطات الذكورية الحاكمة، فى مختلف البلاد، شرقا وغربا، وجدتهن يعبرن عن أفكارى بلغات مختلفة، وشعرت براحة كبيرة، أدركت أن عقلى ليس فاسدا، كما اتهمنى وزير الصحة ونقيب الأطباء وشيخ الأزهر، وأن هناك نساء فى العالم تخطر لهن الأفكار ذاتها التى تخطر لي، أنا لست وحدي.

كسرت العزلة التى أرادت السلطات فرضها علي، فالسجن ليس إلا العزل عن الآخرين، فرق تسد، هو السلاح الأقوى فى يد القوى الحاكمة داخليا وخارجيا، ثورات النساء والعبيد كانت الرائدة فى التاريخ، وإليها يرجع التقدم الذى نعيشه اليوم، أما الثورات التى تحدث بالنخب المستريحين، فهى ثورات ناقصة مبتورة، يتم إجهاضها بسهولة، كما حدث للثورات الأمريكية والروسية والإنجليزية والفرنسية، وجميع الثورات العربية بما فيها الثورات المصرية منذ 1919 حتى ثورة يناير 2011.

لم يتحرر الجسد أو العقل البشرى إلا قليلا، من القيود المفروضة بالسلطة الأبوية الطبقية الدينية، تغيرت أشكالها فقط، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وباسم حقوق المرأة أيضا، يتم اغتيال حريات النساء، فى جميع بلاد العالم، خاصة بلادنا، التى مازالت تنهب بالقوى الاستعمارية، ويفرض عليها الفقر، والمرض والجهل والتجهيل بالإعلام وبالتعليم، وأصبح الدين من أقوى الأسلحة فى هذه الحرب الحديثة، ضد النساء والفقراء، ضحايا القرن الحادى والعشرين.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا