>

قراءة في الفوضى السياسية في العراق

أمير المفرجي


عززت أزمة تعطيل عمل البرلمان لانتخاب حكومة جديدة وما رافقها من فوضى سياسية وعراك وشتائم بين أحزاب الدين السياسي بشقيه السني والشيعي، القناعة لدى الشارع العراقي بأنها نتيجة طبيعية ومتوقعة لخلاف المكونات الرئيسية (الكردي، السني والشيعي) التي جاء بها نظام المحاصصة من جهة، و تناحر زعماء الأحزاب الدينية القريبة من إيران فيما بينهم من جهة أخرى.
بعد أن وصل النظام الطائفي والعرقي البلد إلى نهاية متوقعة من الفشل والإحباط، نتيجة للإفلاس السياسي لمؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، ناهيك عن حالة الإفلاس المالي، التي تعاني منها خزينة الدولة العراقية الخالية من أموال النفط، الذي ذهب القسم الكبير من عائداته إلى جيوب شخصية وحزبية وعلى حساب مصلحة الشعب واقتصاده وسيادته.
ما يحدث اليوم في البرلمان العراقي، نتيجة طبيعية لحالة المشهد العراقي وأحزاب نظام عراق ما بعد 2003، التي لم تعرف الوفاق والانسجام لأسباب طائفية وعقائدية، حيث كان للولايات المتحدة الأمريكية وإداراتها المتتابعة في العراق، الدور الكبير في صناعة واجهة سياسية قائمة على الطائفية (المكوناتية) لنظام غريب مُرقع بمكونات وأحزاب هزيلة ومختلفة في ما بينها، انحصرت أهدافها بتقسيم وتجزئة المساحة الوطنية الواحدة، التي تجمع مكونات البلد، إلى مراكز ثقل سيادية متناحرة (رئاسة الجمهورية – رئاسة الحكومة – رئاسة مجلس النواب)، ترتبط بدورها بمؤسسات الدولة العراقية العسكرية، الأمنية والاقتصادية عن طريق نظام المحاصصة العرقي والطائفي، جاعلة من مراكز الدولة ومؤسساتها العامة حصصا لصراع رسمي وشعبي، حيث جسدت التركيبة النيابية الحالية للبرلمان العراقي وما أفرزه من صراع المكونات الأخير تحت قبة البرلمان، الدليل الواضح على فشل هذه الواجهة السياسية المصطنعة التي جاء بها بول بريمر واستحالة الاستمرارية في ترقيعها في المستقبل.و بالإضافة إلى فشل هذه «الواجهة المكوناتية» المصطنعة التي جمعت الشيعة، الكرد والسنة واستحالة استمراريتها في المستقبل، إلا أن ما شاهدناه اليوم من صراع بين الأحزاب الشيعية نفسها هو أحدُ نتائجِ تشظيّ التحالفِ الوطنيّ الشيعي، الذي كان يمثل الأساس السياسي والطائفي الأكبر حجما في تمثيل وتنفيذ وإدامة العملية السياسية وقيادة النظام في العراق. وهذا بالتالي يمثل نتيجة طبيعية لحالة المشهد العراقي وأحزاب نظام عراق ما بعد 2003، التي لم تعرف الوفاق والانسجام فيما بينها، لأسباب طائفية وعقائدية، حيث كان لإيران وسفيرها في بغــداد، الفضل الكبير في إخفاء صراع هذه الأحزاب وزعمائها ومن ثم توحيدها خدمة للأجندة الإيرانية.
لكن ما نراه اليوم حدث جديد، إذا أخذنا بعين الاعتبار ضعف الدور الإيراني القائم على إدامة وفاق وانسجام أمراء هذه الأحزاب الطائفية، منذ سقوط الدولة العراقية، وفشل مساعي طهران الأخيرة التي توسط من خلالها السيد حسن نصر الله في لقاء نوري المالكي والسيد مقتدى الصدر الأخير في بيروت. وهنا لابد من التأكيد على أن أسباب هذا التراجع أو الضعف للدور الإيراني في العراق، هو نتيجة طبيعية للتداعيات الدولية والإقليمية التي أفرزها الاتفاق النووي بعد فشل الجمهورية الإسلامية من تحقيق استراتيجيتها في نشر الإسلام السياسي إقليميا، والحاجة الماسة للإيرانيين لإعادة بناء اقتصادهم المنهار، وتأمين السلام الداخلي لتحاشي ثورة الشعب الإيراني الذي عانى من جراء الحصار ونفقات الحرس الثوري في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وهكذا أصبح العراق يعيش في مرحلة انقسام وفوضى لا يمكن السيطرة عليها داخليا أو حتى إقليميا، على الرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما، خلال مشاركته في القمة الخليجية الأخيرة في الرياض، زعماء الخليج إلى مساعدة العراق للخروج من محنته وطمأنة الشارع العراقي المنتفض. وبغض النظر عن أهمية هذه التصريحات الغربية الداعية إلى مساعدة العراق للخروج من نفقه المظلم الذي طال أمده، والرؤية الأمريكية الجديدة لتقريب العراق من حاضنته العربية الخليجية، بعد التغيير المرتقب في الأجندات الإقليمية، فإن ما شهده البرلمان العراقي من فوضى وانشقاقه إلى جزأين وانتظار قرار المحكمة الاتحادية للبت في شرعية هذا وذاك، ومن ثم بدء إعلان تسمية حكومة التكنوقراط الجديدة من جزء واحد، يمثل مفترق طريق في تاريخ العملية السياسية التي انطلقت بعد عام 2003. وسواء استطاع حيدر العبادي أم أخفق في تمرير قوائمه، فإن المشهد العراقي، أصبح مفتوحا على كل الاحتمالات، بما فيها ديمومة حالة انقسام البرلمان وشلله وانتقال رفض الشارع العراقي إلى مرحلة جديدة أكثر وضوحا، وأكثر فعالية لبدء سقوط مبدأ المحاصصة والاتجاه إلى بوصلة الوطن والمواطنة.
تداعيات معركة البرلمان لم تكن اليوم إلا حلقة في مسلسل سقوط العملية السياسية الحالية وسقوط أقنعة واجهتها العرقية والأثنية، وغياب أسس بديلة تستجيب لمطالب الشارع العراقي في الوقت الحاضر.
وهنا لابد من الرجوع إلى تحكيم الأسرة الدولية وعقلانيتها الرسمية المتمثلة في دور الأمم المتحدة للتدخل من أجل إخراج الشعب العراقي من محنته وإبعاده من خطر التقسيم والشرذمة التي جاءت بها واجهة المحاصصة وتدخل أحزاب الدين السياسي الإقليمية.
٭ كاتب عراقي
أمير المفرجي



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا