>

?سايكس ـ بيكو جديدة أم حرب نووية؟


رأي القدس

تنشر «القدس العربي» اليوم تقريرين يقدمان احتمالين مختلفين لسيرورة العالم بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية والتطوّرات العالمية العاصفة، بدءاً من التمدّد العسكري لروسيا في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا وسوريا، وتحالفها مع إيران وتنسيقها مع تركيا ووضعها الضاغط على أوروبا التي تعاني من مشاكل بنيوية كبيرة، بل وتدخّلها حتى في الانتخابات الأمريكية الذي كشف عنه تقرير لوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إي).
المحللون في كلا التقريرين هم من العاملين في المؤسسات الأمنية وبالتالي فإنهم مؤهّلون، بسبب «قرون الاستشعار» الأمنية التي يملكونها، لتقديم تحليلات قادرة على استيعاب ما يجري في العالم والبناء عليه، ولكنّهم، من جهة أخرى، وبسبب طبيعة عملهم، قد يبالغون في التوقّع أو في المخاوف.
يضع التقرير الأول، الذي يحذر من إمكان حصول حرب نووية، في الاعتبار التقارب المعلن بين شخصيتي ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لكنه يشير إلى أن هذا التقارب لا يستطيع التقليل من مخاطر الصراع مع روسيا المتصلبة والمندفعة لاستخدام قوتها العسكرية بجرأة متناهية، فإضافة إلى أوكرانيا وسوريا فإنها تنشر صواريخ نووية قرب بولندا وليتوانيا كما أن سفنها وطائراتها تتحرش باستمرار بالناقلات الجوية والبحرية الأمريكية ودول حلف شمال الأطلسي، وهي تقوم بهجمات إلكترونية للتجسس على هذه الدول.
أما التقرير الثاني، فيقدم آراء محللين أمنيين إسرائيليين، يتوقع أحدهم، أن يوقع ترامب وبوتين، «اتفاقية سايكس بيكو للألفية الجديدة» تحدد مستقبل المنطقة، والجزء الذي يهمّ إسرائيل، حسب هذا التحليل، هو إقناع ترامب بالاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان المحتل، وهو ما يعني، على الأغلب، أن تل أبيب، قد ضمنت جانب روسيا في هذا الموضوع.
على التناقض الظاهر بينهما، فإن التقريرين، في الحقيقة، يلتقيان في التوصيف المعقد لمشهديّة عالميّة مستجدّة يسعى فيها الطرفان الأمريكي والروسي، كل بطريقته، لخلق توازنات عالميّة جديدة، ولكن من مقاربات شديدة الاختلاف، ففي حين يتمدّد الروس مستفيدين من الجغرافيا السياسية لبلاد هي الأكبر مساحة في العالم، فإن الأمريكيين، تحت قيادة ترامب، يعودون للنزعة الأمريكية القديمة للانكماش داخل حدودهم، ويتمثّل ذلك بدعوات بناء سور مع المكسيك وطرد الملايين من المهاجرين، والخروج من حلف الناتو، وتدفيع الحلفاء ثمن الحماية العسكرية، والطلب من اليابان وكوريا بناء ترسانة نووية الخ…
هذه المشهديّة تحمل في داخلها إذن عناصر تناقضات كامنة قابلة للتفجّر، فالتقارب الأمريكي ـ الروسي سيكون على حساب أطراف أخرى في العالم، بدءاً من الصين، التي بدأت المناوشات معها مبكّرا، أثناء الحملة الانتخابية لترامب وكانت إحدى إشاراتها اتصاله برئيسة جمهورية تايوان، خصم الصين السياسي، مروراً بأوروبا الحائرة في طريقة التعامل مع بوتين وترامب، وليس انتهاء بمعادلات الشرق الأوسط اللاهبة، في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وليبيا.
إضافة إلى ذلك فإن الغزل المتصاعد بين إدارتي ترامب وبوتين غير مرشح للاستمرار لفترة طويلة بوجود شخصيتين متغطرستين على رأس هاتين الإدارتين، وهي وصفة، إن لم تكن مؤهلة للانفجار، فعلى الأقل للاختلاف، كما أن المصالح الأمريكية الضخمة في العالم لا يمكن ألا تتأثر بالطموحات العنيفة للمصالح العسكرية والسياسية في العالم، فاستتباب الأمر للرئيس الروسي في سوريا، لو حصل، فهو إعلان جديد للشهية الكبيرة للنفوذ الذي وضع أسسه في مصر وليبيا بحيث يمتلك أوراق لعب كبرى قادرة على إخلال التوازنات وتهديد أمريكا قبل غيرها.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا