>

"الخميني" يعترف بـ"تجرّع كأس السم" العراقي

في الذكري الـ30 لإعلان للهزيمة المذلة
"الخميني" يعترف بـ"تجرّع كأس السم" العراقي


"ويلٌ لي.. أنا أتجرّع كأس السُّم.. كم أشعر بالخجل لموافقتي على اتفاقية وقف إطلاق النار مع العراق..."، هكذا عبّر الخميني، قائد الثورة الإيرانية الراحل (في خطاب إذاعي) عن الهزيمة الإيرانية المذلة عام 1988، بعد قبول طهران بقرار مجلس الأمن (رقم 598) لوقف الحرب مع العراق.

وتعيد الذكرى الـ30 لانتهاء الحرب بين العراق وإيران (حرب الخليج الأولى) في الثامن من أغسطس، تفاصيل أطول معركة عسكرية في التاريخ الحديث، بعدما استمرت 8 سنوات، قبل أن يعلن تلفزيون العراق آنذاك "انتصار العراق على إيران في الحرب"، حيث خرجت المسيرات العراقية في الشوارع والميادين، احتفالًا بالنصر.

وخلال الحرب (1980/1988)، أطلق العراقيون على المعركة "القادسية"، بينما سماها الإيرانيون "الدفاع المقدس" بعدما نشبت القتال بين البلدين في سبتمبر عام 1980، إثر توترات تحولت إلى اشتباكات حدودية، ثم حرب مفتوحة.

آنذاك، اتّهم العراق إيران بقصف مناطق عراقية حدودية، ومن ثم بادر الرئيس الراحل صدام حسين (17 سبتمبر 1980) بإلغاء اتفاقية الجزائر (الموقعة مع إيران عام 1975) التى كانت تنص على أن مياه شط العرب كاملة جزءًا من المياه الإقليمية العراقية.

وسبق الحرب بين البلدين سحب السفراء، وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، بعد قيام الثورة الإيرانية، وأمام الهجمات الحدودية الإيرانية، هاجمت القوات العراقية أهدافًا في العمق الإيراني، قبل أن تقصف إيران أهدافًا عسكرية واقتصادية عراقية.

وقبيل الهجوم البري، خططت القيادة العسكرية العراقية لشن ضربة جوية تهدف إلى تحييد سلاح الجو الإيراني على الأرض بهدف تمهيد الطريق للقطاعات البرية للعبور إلى داخل العمق الإيراني، عبر هجوم كاسح (22 سبتمبر 1980) بـ250 طائرة مقاتلة.

ميدانيًّا، تقدمت القوات العراقية في الجنوب نحو محافظة خوزستان، واستطاعت القوة العراقية عبور نهر شط العرب والتقدم شرقًا، ثم أكملت عبورها لنهر قارون حيث سقطت المحمرة بيد القوات العراقية، التى تقدمت حتى توقفت قبالة مدينتي ديزفول والأهواز.

وشنّت القوات العراقية هجومًا على حوض سومار، ودمرت أكثر من جحفل معركة إيراني، بينما انسحبت الوحدات المدرعة الإيرانية إلى العمق عبر الشعاب والوديان. وفي الشمال استولت الفرق العراقية على قصر شيرين، وشريط حدودي بطول 800 كم.

وتعرض الجيش الإيراني لنكسة عسكرية بعد سقوط طائرة نقل عسكرية كان على متنها القائد العامّ للقوات الإيرانية ووزير الدفاع الإيراني، ورئيس الأركان وقائد القوات الجوية، كما أعلنت القيادة العامة للجيش العراقي (يناير عام 1981) قتل 381 جنديًّا إيرانيًّا، وتدمير دبابات وطائرات مقاتلة وعمودية، إلى جانب لواء إيراني مدرع، كما استولت على عديد من الاسلحة النوعية، بينما حاولت إيران في العام نفسه فك الحصار عن منطقة "عبادان".

تجهيزات

واستهدفت المقاتلات العراقية أهدافًا في العاصمة طهران (يتصدرها مطار مهرآباد)، وعندما ردت القوات الإيرانية على الضربة العراقية، أعلنت القيادة العامة للجيش العراقي عن إسقاط 68 طائرة إيرانية معادية.

وكسرت القوة العسكرية العراقية (بدعم عربي، وخليجي على وجه الخصوص) القوة الإيرانية الراغبة في الهيمنة على منطقة الخليج العربي، وتصدير الثورة الإيرانية لدول الجوار، عبر التحالف مع ميليشيات كردية وشيعية. في المقابل، كانت الميليشيات الكردية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني شمال العراق تدعم إيران، ضد حكم حزب البعث الحاكم في العراق آنذاك.

وخاض العراق المعركة بقوات يبلغ تعدادها نحو 222 ألف مقاتل، تعمل ضمن 12 فرقة عسكرية تابعة للقوات البرية والجوية والبحرية، فضلًا عن قوات الدفاع الشعبي، فضلًا عن أسراب طائرات اعتراضية وهجومية، ومنظومات دفاع جوي متقدمة (صواريخ سام، وكورتل) وزوارق صواريخ وسفن إبرار.

في المقابل، خاضت إيران المعركة بنحو 150 ألف مقاتل، بعد خفض عدد القوات بقرار من قادة الثورة الإيرانية، خوفًا من تعاظم قوة الجيش وولائه لشاه إيران المعزول محمد رضا بهلوي، وقد اعترف وزير الخارجية الإيراني، آنذاك، إبراهيم يزدي بخفض قوات الجيش ومن 240 الف مقاتل إلى 150 ألفًا فقط.

وكانت القوات الإيرانية المشاركة في المعركة تتكون من 10 فرق عسكرية، مدعومة بـ1735 دبابة، و325 مدرعة لنقل الجنود، وقاذفات صواريخ موجهة، و5000 آلاف طيار مقاتل، ونحو 520 طائرة حديثة، و100 طائرة نقل، فضلًا عن 3 مدمرات و4 فرقاطات، وزوارق صواريخ فرنسية.

عمليات

ولم يكن خافيًا خلال الحرب حجم الدعم العربي للعراق، من منطلق المصير المشترك خلال المواجهة التى استهدفت وقف التمدد الإيراني، حيث فتحت الكويت موانئها للعراق، وخزائن أموالها (2 مليار دولار كقروض بدون فوائد) إلى جانب قرض سعودي قيمته 10 مليار دولار، و3 مليارات من الإمارات العربية المتحدة.

لوجيستيا، حصلت طهران على دعم من سوريا وليبيا (صفقات صواريخ سكود) وقامت طهران بشراء أسلحة من كوريا الجنوبية والصين (صواريخ سلكوورم المضادة للسفن)، وقدمت الولايات المتحدة دعمًا سريًّا لإيران عبر إسرائيل (صواريخ تاو).

وكان الدعم الإسرائيل لإيران أثناء حرب الخليج الأولى، هدفه إضعاف العراق. ووفقا لمعلومات "رونن برجمان" باعت إسرائيل أسلحة قيمتها 75 مليون دولار أمريكي من مخزون الصناعات العسكرية الإسرائيلية وصناعات الطيران الإسرائيلي ومخزون قوات الدفاع الإسرائيلية لإيران، تم نقلها جوًّا إلى طهران عبر الخطوط الجوية الأرجنتينية/ قبل نقل بعضها بحرًا.

وعقد إيران مع إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان اتفاقًا مع إيران لتزويدها بالأسلحة بسبب حاجة إيران الماسة لأنواع متطورة منها أثناء حربها مع العراق، مقابل إطلاق سراح بعض الأمريكان الذين كانوا محتجزين في لبنان، تشمل نحو 3 آلاف صاروخ "تاو" المضادة للدروع وصواريخ هوك أرض جوّ مضادة للطائرات، وهو ما عرف لاحقًا بفضيحة "إيران- كونترا".

خسائر

واستخدمت القوات الإيرانية ما يعرف بـ"الموجات البشرية" (متطوعون من عمر التاسعة حتى ما فوق الخمسين) لعبور حقول الألغام والتحصينات الدفاعية العراقية، كبدت طهران المزيد من الخسائر الكبيرة. وفي منتصف المعركة (عام 1984) نفذ الإيرانيون عملية عسكرية بعنوان "فجر 5"، في القطاع الأوسط لجبهة القتال مع العراق، وكان هدف الهجوم قطع طريق البصرة/ بغداد، ثم عملية "فجر 6" لكن لم تحقق العمليتان أي نجاح رئيسي.

وفي العام التالي شنّت إيران عمليتها العسكرية "بدر" قبل نجاح القوات العراقية في صد الهجوم وتنفيذ هجوم مضاد. وفي 6 يناير 1986 شن الجيش العراقي حملة عسكرية على الطرف الشمالي لجُزُر مجنون، بلواءَين من الفيلق الثالث، اضطرت على إثره القوات الإيرانية إلى الانسحاب.

لكن الجيش الإيراني شن في وقت لاحق عمليته العسكرية (فجر 8) تمكّن خلالها من الاستيلاء على شبه جزيرة الفاو جنوب العراق. وفى العام التالي (1988) فشلت القوات الإيرانية في التقدم من الفاو جنوبا، وأدرك القادة العراقيين الضعف العسكري الإيراني في الجنوب فتم التخطيط لعملية عسكرية (رمضانٌ مباركْ) لتحرير الفاو.

وأمام القوة العراقية التى نفذت عملية "رمضان كريم" انهارت القوة الإيرانية وتحررت الفاو بعد 35 ساعة قتال، واستسلم الجنود الإيرانيون وكانت خسائرهم البشرية كبيرة وغنم العراق آلاف الأطنان من المعدات والأسلحة والتجهيزات وكانت خسائر العراقيين بسيطة. وخسر الإيرانيون، في عشر ساعات قتال، في يوم واحد، 50 ألف مقاتل إضافة إلى عدد كبير من معدات القتال الرئيسية.

ودفع العراق بقواته (40 ألف مقاتل) في منطقة شلامجة في هجوم مضاد، حيث هزم الإيرانيين في 19 ساعة قتال، وفي الشمال شنّ الجيش العراقي هجومًا حول السليمانية وتمكن من استعادة المنطقة بكاملها، في يونيو 1988.

وشنّ العراق هجومَين آخرَين، حيث تمكّن من الاستيلاء على مدينة مهران الإيرانية، قبْل أن ينسحب إلى داخل حدوده، وأسر 2500 مقاتل إيراني في هجوم على المناطق المحطية بالزييدات، وتابع تقدمه إلى داخل الأراضي الإيرانية، بعمق 40 كم، قبل أن ينسحب منها.

وفي العام 1988، أعلنت إيران قبولها قرار مجلس الأمن (رقم 598) الداعي لوقف إطلاق النار، والانسحاب إلى الحدود الدولية، وتبادل الأسرى، وعقد مفاوضات السلام، التى دعت الخميني للتصريح الإذاعي: "ويلٌ لي.. أنا أتجرّع كأس السُم.. كم أشعر بالخجل..."، معبرًا عن الهزيمة الإيرانية المذلة، مقابل انتصار العراق، المدعوم عربيا.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا