>

الإسلام أيها السادة لم يخترع تعدد الزوجات! - عزت السعدنى

الإسلام أيها السادة لم يخترع تعدد الزوجات!
عزت السعدنى

رغم أنه قد مضي على ظهور الإسلام ونزول القرآن وبزوغ شمس رسالة سيد الخلق محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام 1439 سنة هجرية وهي توازي تقريبا 1336 سنة ميلادية.. إلا أنه ما من أحد تسأله لا يكاد يفك الخط.. أو متعلما يحمل الشهادة.. أو جهبذا يحمل بردة الدكتوراة في علوم الدين والدنيا والحياة والبشر: من اباح تعدد الزوجات.. في الدين والدنيا؟

لكان جوابه دون تفكير ودون تروٍ: الإسلام طبعا!

هذا السؤال اللغز سألته يوما عندما كنت يا دوب فى سنة أولى وربما ثانية آداب قسم صحافة فى جامعة القاهرة فى أوائل الستينيات من القرن العشرين فى جلسة حوارية.. مع أستاذنا وعمنا وتاج رأسنا الأستاذ عباس محمود العقاد.. وكان معى فى هذه الجلسة التى جمعتنا فى مكتبة جامعة القاهرة ـ ولا اكاد اذكر لم اجتمعنا وفيم انتهينا ـ الزملاء والزميلات هن: جيهان رشتى التى أصبحت فيما بعد أول عميدة لكلية الإعلام فى جامعة القاهرة وخديجة قاسم ذات الملامح الآسيوية والعزيزة الغالية بهيرة مختار رئيسة قسم التحقيقات الصحفية فى الأهرام فيما بعد.. والزملاء هم: عبدالمنعم سليم سكرتير تحرير الأخبار فيما بعد ومحمد فريد عزت الذى هجر الصحافة إلى الجامعة.

ولأن السنين والأيام تكاد تمحو من ذاكرتنا كل ما قيل من قبل.. إلا أننى فيما يبدو كتبت كل ما جرى يومها وما كان فى كراسة المحاضرات..

فماذا كان جواب الأستاذ يا تري؟

قال عباس العقاد الأستاذ والمعلم: الإسلام لم ينشئ تعدد الزوجات، ولم يوجبه، ولم يستحسنه، ولكنه أباحه فى حالات يشترط فيها العدل والكفاية، ولا تحسب الشريعة الاجتماعية تامة وافية ببيان المباح والمحرم فى جميع الحالات، إن لم تعرض لهذا الجانب من جانب الزواج، ولم تعتبره احتمالا من الاحتمالات التى تحتاج إلى النص عليها بالإباحة أو بالتحريم.

فليس البحث هنا عن تعدد الزوجات.. هل هو واجب أو غير واجب؟ وهل هو من العلاقات المثالية أو من العلاقات التى تتخلف عن مقام المثل الأعلى فى الأخلاق؟

فإن الشرائع لا تفرض للمثل الأعلى الذى يتحقق به الكمال، ولكنها تفرض لأحوال الضرورة كما تفرض لأحوال الاختيار، ويحسب فيها حساب ما يقبل على الرضا، وما يقبل على الكره. ولابد فيه من حكم للشريعة تقتضيه عند الحاجة إليه. فليس النص على إباحة تعدد الزوجات، لأنه واجب على الرجل أو مستحسن مطلوب، وانما النص فيه لاحتمال ضرورته فى حالة من الحالات. ويكفى أن تدعو إليه الضرورة فى حالة بين ألف حالة، لتقضى الشريعة بما يتبع فى هذه الحالة ولا تتركها غفلا من النص الصريح..

فقد يحدث أن تصاب الزوجة بمرض عضال، يقعدها عن واجباتها الزوجية، وفقدها وظيفة الأمومة، فإذا امتنع تعدد الزوجات فى جميع الحالات فلا محيص للزوج الذى عقمت زوجته، وعجزت عن تدبير بيتها، من تطليق تلك الزوجة، أو من الابقاء على زواج فقد معناه، وبطل الغرض الأكبر منه للأسرة وللنوع، ولم يبق منه للرجل إلا تكاليف الخدمة البيتية التى تعوله وتعول زوجته بلا عقب ولا خلف ولا سكن يطمئن إليه.

>>>

تسأل الأروبة خديجة قاسم: يعنى الإسلام وقف مع تعدد الزوجات؟

يقول الأستاذ والمعلم: السماح بتعدد الزوجات فى هذه المشكلة البيتية حل مقبول أسلم وأكرم من نبذ المرأة المريضة، ومن إكراه الرجل على العقم والمشقة. وليس من موانع التشريع فى أمثال هذه المشكلات، أن تكون فيه غضاضة على المرأة التى جاء لها الرجل بزوجة أخري، مع بقائها فى عصمته. فإن الغضاضة لاحقة بها فى الطلاق، وليست الغضاضة التى تصيب الرجل المقسور على العقم واحتمال تكاليف الخدمة البيتية بالأمر الذى يسهو عنه التشريع، بل هى أولى بنظر الشريعة التى تقدس الزواج وتحفظ قوامه، إذ كان إهمالها إهمالا لحكمة الزواج، وإلغاء لمقصد الشرع من إبرام الصلة بين الزوجين، وتحريم الزنى والفسوق.

وليس بالنادر أن تمر بالأمم أزمات، يزيد فيها عدد النساء على عدد الرجال، كما يحدث عقب الحروب والثورات، وقد يحدث عقب الأوبئة التى تنتقل عدواها فى المجامع العامة، فلا تتعرض لها المرأة كما يتعرض الرجل، وقد يحدث أن تكون زيادة عدد الاناث ظاهرة مطردة فى كثير من الأنواع كما يقول بعض المشتغلين بعلم الأحياء فإذا حدث هذا الاختلال فى نسبة التساوى بين الجنسين، فليس لهذه المشكلة حل أسلم وأكرم من السماح بتعدد الزوجات، لأن المرأة التى لا تتزوج تعيش عيشة البطالة والفتنة، أو تكدح فى طلب الرزق بعمل من الأعمال لا يتيسر لجميع النساء، وتبتلى بالعقم فى الحالتين.

>>>

أسأل أنا هذه المرة: ولكن قبل الإسلام فيم أعرف وفيم قرأت.. لم يكن أحد لا يعترض على الزوج إذا تزوج بأخرى ومعه زوجة.. بل واقتناء الجوارى بالعشرات بل بالمئات؟

يقول عمنا عباس محمود العقاد هنا: الشرائع المدنية عامة قبل الإسلام، كانت تبيح تعدد الزوجات واقتناء السرارى بغير تحديد للعدد، ولا التزام بشرط من الشروط، غير ما يلتزمه الزوج من المئونة والمأوى.

والشريعتان الدينيتان السابقتان للإسلام وهما الإسرائيلية والمسيحية مختلفتان فى أحكام الزواج وفى النظر إلى معناه وغايته من الوجهة الروحية.

فالشريعة الإسرائيلية أباحت تعدد الزوجات بمشيئة الزوج حسب رغبته واقتداره، ويفهم من أخبار العهد القديم أن داود وسليمان عليهما السلام وهما ملكان نبيان جمعا بين مئات من الزوجات الشرعيات والإماء، ولم يلحق بهما اللوم إلا لما نسب إلى داود من الزواج بامرأة قائدة «أوريا» الجميلة بعد تعرضه للقتل فى الحرب، وما نسب إلى سليمان من مطاوعته لاحدى زوجاته فى اقامة الشعائر المخالفة للدين.

أستاذنا مازال يشرح: فى الإصحاح الثانى عشر من سفر صمويل الثانى يقول النبى ناثان لداود: «أنا مسحتك ملكا على إسرائيل وأنقذتك من يد شاول وأعطيتك بيت سيدك ونساء سيدك.. لماذا أخذت امرأة أوريا لك امرأة؟»

< وفى الإصحاح الحادى عشر من سفر الملوك الأول أن الملك؛ سليمان: «أحب نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون ملك مصر التى تزوجها: موآبيات وعمونيات وأورميات وصيدونيات وحيثيات.. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة، وكانت له سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من السراري. فأمالت نساؤه قلبه..!»

{ ويقول هنا نيوفلد صاحب كتاب «قوانين الزواج عند العبرانيين الأقدمين»: «إن التلمود والتوراة معا قد أباحا تعدد الزوجات على إطلاقه، وإن كان بعض الربانيين ينصحون بالقصد فى عدد الزوجات، وان قوانين البابليين وجيرانهم من الأمم التى اختلط بها بنو إسرائيل كانوا جميعا على مثل هذه الشريعة فى تعدد الزوجات والإماء».

>>>

تعود جيهان رشتى تسأل: وماذا قالت المسيحية عن الزواج..

وهل أباحت تعدد الزوجات أم حرمته تحريما وجرمته تجريما؟

الأستاذ والمعلم يتكلم ويجيب: جاءت المسيحية وهى أكبر الديانات الكتابية بعد ديانات أنبياء بنى إ سرائيل فلم تتوسع فى التشريع الاجتماعي، لأنها نشأت فى بيئة مكتظة بالشرائع، تستولى عليها الأمتان اللتان أسرفتا إسراف الغلو المفرط فى سن القوانين والارتباط بحروف «النواميس».. فذكرت هذه الديانة الجديدة شيئا عن الزواج فى ناحيته العبادية، أو فى ناحيته التى تتصل بالعالم الآخر دون عالم الحياة الدنيا.

ولم يرد فى كتبها نص صريح بتحريم تعدد الزوجات، وإنما ورد فى كلام بولس رسولها الكبير استحسان الاكتفاء بزوجة واحدة لرجل الدين المنقطع عن مآرب دنياه، ذهابا إلى الرضا بأهون الشرين، وقياسا على أن ترك الزواج لمن استطاعه خير من الزواج!.

وبقى تعدد الزوجات مباحا فى العالم المسيحى إلى القرن السادس عشر. كما جاء فى تواريخ الزواج بين الأوروبيين، ويقول وستر مارك westermarek فى تاريخه: «إن ديارمات diarmat ملك أيرلندا كان له زوجتان وسريتان.

وكان لشرلمان زوجتان وكثير من السراري، كما يظهر من بعض قوانينه أن تعدد الزوجات لم يكن مجهولا بين رجال الدين أنفسهم، وبعد ذلك بزمن كان فيليب أوف هيس، وفردريك وليام الثانى البروسي، يبرمان قد عقد الزواج مع اثنتين بموافقة القساوسة اللوثريين، وأقر مارتن لوثر نفسه تصرف الأول منهما، كما أقره ملانكتون melankton وكان لوثر يتكلم فى شتى المناسبات عن تعدد الزوجات بغير اعتراض، فإنه لم يحرم بأمر من الله.

أما سيدنا إبراهيم عليه السلام فقد كانت له زوجتان. نعم إن الله أذن بذلك لأناس من رجال العهد القديم فى ظروف خاصة، ولكن المسيحى الذى يريد أن يقتدى بهم يحق له أن يفعل ذلك متى تيقن أن ظروفه تشبه تلك الظروف، فإن تعدد الزوجات على كل حال أفضل من الطلاق.

وفى سنة 1650 الميلادية، وبعد أن تبين النقص فى عدد السكان من جراء حروب الثلاثين.. أصدر مجلس الفرنكيين بنورمبرج قرارا يجيز للرجل أن يجمع بين زوجتين. بل ذهبت بعض الطوائف المسيحية إلى ايجاب تعدد الزوجات.

ففى سنة 1531 نادى اللامعمدانيون فى مونستر صراحة، بأن من (حق المسيحي) ينبغى أن تكون له عدة زوجات، وأن تعدد الزوجات نظام إلهى مقدس..»!

............

تعود جيهان الأروبة المتمكنة تسأل: يعنى الاسلام هدفه الاصلاح لا مجرد التعدد؟

الجواب للاستاذ والمعلم ـ رفع الميم وفتح العين ـ بعد فترة سكون: لقد جاء الإسلام فلم ينشئ تعدد الزوجات ولم يوجبه ولم يستحسنه!

تسأل الأروبة: أمال عمل إيه؟

الاستاذ يتكلم: أباحه ولكن فضل عليه الاكتفاء بزوجة واحدة.. وفضله على تعطيل الزواج فى مقصده الطبيعى والشرعى مع الرضا بالعقم وعدم الخلفة والتعرض للغواية من الرجال.. ونزيد على ذلك أنه حفظ للمرأة حريتها التى يتشدق بها نقاد الشريعة الإسلامية فى أمر الزواج، لأن إباحة تعدد الزوجات لا يحرم المرأة حريتها، ولا يكرهها على قبول من لا ترتضيه زوجا لها، ولكن تحريم التعدد يكرهها على حالة واحدة، لا تملك غيرها، حين تلجئها الضرورة إلى الاختيار بين الزواج بصاحب زوجة، وبين عزوبة لا يعولها فيها أحد، وقد يعجزها أن تعول نفسها.

واشترط القرآن الكريم العدل بين الزوجات فى حالة التعدد على ألا يزيد عددهن على أربع:

»فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة« [النساء: 3].

ثم ذكَّر الرجال بصعوبة العدل عسى أن يتريثوا قبل الإقدام على الحرج:

»ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم« [النساء: 129].

تعود هى تسأل: ولكن لماذا حدد الإسلام عدد الزوجات بأربع؟

يقول الأستاذ: لا أحسب أن الأمر فى تحديد عدد الزوجات بأربع يدعو إلى سؤال من أحد يمارس حدود التنصيص فى الشريعة، فإن التحديد يقتضى الوقوف عند حد متعارف عليه، وما من سبب يقتضى أن يكون عدد الكتيبة فى الجيش مائة، ولا يكون تسعة وتسعين، أو مائة وواحدا، إلا جاز لهذا السبب نفسه.

لقد جاء الإسلام فلم يحدث تعدد الزوجات ولم يوجبه ولم يستحسنه، ولكنه أباحه وفضل عليه الاكتفاء بالزوجة الواحدة، وفضله على تعطيل الزواج؟

..........

آخر الكلام.. ان الإسلام كما رأينا بريء كل البراء.. من تعدد الزوجات.. والسماح للرجل بالزواج مثنى وثلاث ورباع.. ولكن الرأى الصواب حقا ومنعا للزعل والنكد الأزلي.. هو الاكتفاء بواحدة..

وكما قالت لى زوجة آخر لماضة: هو الراجل قادر يستحمل زوجة واحدة تنكد عليه عيشته..؟ أمال لما يبقوا إتنين ولا تلاتة ولا أربعة يعمل إيه؟ قلت لها: على السراية الصفرا عدل ـ بكسر العين والدال وسكون اللام!{



>> الإسلام أيها السادة .. ليس وحده الذى أباح تعدد الزوجات.. ولكنه نظم عقد الأسرة كلها؟!! >>

Email:asaadany@ahram.org.eg



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا