>

ازمة كهرباء: تفكيك دولة, ولبرالية الاستبداد الشرقي - المهندس ابو امير الزيدي

5 - ازمة كهرباء: تفكيك دولة, ولبرالية الاستبداد الشرقي

المهندس ابو امير الزيدي

تطرقت الحلقة الرابعة في نهايتها الى موضوعة محددة هي محطة شط البصرة الغازية بطاقة 1250 ميغاوات حيث انتهى موضوعها بمنح عقد تشييدها الى الشركة اليونانية ميتكا وذلك في 5 تشرين الاول سنة 2011 . سلطت الحلقة الضوء على الشراسة والجشع والاستهتار بالمال العام وحتى قياسا بمعايير النهب المعروفة في الاقتصاديات الراسمالية , حيث السطو على الطوربينات الغازية كمكرمة وبيع كهرباءها الى الدولة اضافة الى الكلفة الخيالية في النصب وتشييد المحطة . في العودة لمقاربة موضوعة المحطة هذه هناك اسباب عديدة, اهمها:

اولا: محطة البصرة هذه لم تكن الوحيدة انما هي واحدة من اربع محطات تم فتح عروضها في الفترة الزمنية ما بين 4 و17 نيسان 2011 اشتملت على 22 طوربين غازي اي اكثر من ثلث تعاقدات جنرال اليكتريك. المحطات هذه هي البصرة, الديوانية, السماوة والعمارة. اول ما يلفت النظر فيها هو تعبير "جولة التراخيص", هذا التعبير سيء الصيت في الذاكرة العراقية يكاد يكون ماركة مسجلة لجهة بعينها عند ظهوره مع اعادة هيمنة الشركات النفطية.

ثانيا: ان الاعلان عن هذا النمط البرمكي والسطو على المال العام جاء من اعلى مستويات الدولة وليست مبادرة وزارة الكهرباء وحدها. وجاء الاعلان جهارا نهارا بشكل اجتماع عقد في اواسط كانون الاول عام 2010 – اي قبل توزير المطرود رعد الجميلي- حضره ممثلون عن 33 شركة وخطب فيهم وزير الكهرباء وكالة الدكتور شهرستاني, وحسب ما اوردته وكالة رويترز ونشرية بلومبرغ قال الدكتور : " استطيع ان اطمأنكم ان الحكومة مهتمة جدا في هذه المشاريع الاربعة وستتعاون بالكامل مع من يربح التعاقدات هذه" وبناءا عليه فقد اعلنت عشرون شركة حضرت الاجتماع نيتها في تقديم عطاءات واشترت فعلا اوراق المناقصة.

ثالثا: ان هذا النمط من اللصوصية يراد له ان يتسلطن بحماية قانونية شرعية تحت مسمى قانون وزارة الكهرباء, لتفتيت وظيفة الدولة الاجتماعية في توفير خدمات الكهرباء وكل ما يرتبط بها من قدرات وطنية يمكن ان توفر حد ادنى من الاستقلالية. نما هذا النمط وترعرع تحت مسميات الاستثمار الخاص او منتج الطاقة المستقل IPP بالاخص منذ اخر سني حكم المالكي ولحد الان.

رابعا: عند استحضار هذه الخلفية يصبح مشهدد العجز الكهربائي المريع اقرب الى التلمس, واذا ما اضفنا له التوجهات الاستراتيجية للهيمنة الايرانية على العراق تكتمل صورة المشهد. فالعجز الكهربائي هو ضرورة حيوية لتمرير مشاريع النيولبرالية وبدونه لا يستقيم اي حديث عن ضرورة الخصخصة والاستثمار "الحر" ,بالاخص عندما استوعبت كواسر ايران وهضمت واعادت انتاج نسخة عجيبة من النيولبرالية غاية في القبح والخرافة, اقرب الى الاستبداد الشرقي منها الى اي مسمى ديمقراطي.
فمن موقع وزارة الكهرباء ليوم 15 حزيران 2014 ظهر هذا الخبر :
"بحضور معالي وزير الكهرباء المهندس كريم عفتان الجميلي ورئيس الهيئة الوطنية للاستثمار الدكتور سامي رؤوف .....ابرمت وزارة الكهرباء في مقرها اول عقدين استثماريين لبناء محطات توليد كهربائية تصل طاقانها الى 4500 ميكاواط في محافظتي بغداد والبصرة ..... واوضح المدرس ان مدة العقد هي 17 عاما ونصف قابلة للتجديد لمدة عام,وبموجب هذا العقد تكون الوزارة ملزمة لشراء الطاقة من الشركتين المذكورتين بقيمة 32 دولار للميغاوات الواحد لانتاج الوحدات الغازية و47 دولار للميغاوات لانتاج الوحدات المركبة,حيث سيتم تجهيز هذه المحطات بالوقود عن طريق وزارة الكهرباء بالتنسيق مع وزارة النفط سواء كان وقودا غازيا او كازاويل.... معالي الوزير شكر الحاضرين وقال لولا دعم وجهود دولة رئيس الوزراء لما تم هذا المشروع ..."
المنهج هنا يتفوق على منهج "لملم" - لا مناقصة لا منافسة- هنا الخليفة المستبد بنفسه يدعم ويجهد ليعقد عقدا. ثمة خباثة في اطراء الوزير لرئيسه , ربما هي براءة ذمة من الموضوع, هل ادرك الوزير ان عقدا كهذا هو غير قانوني وغير اخلاقي ولا حاجة له وهدر للمال العام وضمان للهدر لمدة 18 عاما ونصف؟ واذا اخذنا بالاعتبار ان هذا "الجهد" جاء بعد خمسة ايام فقط من بدء حروب داعش وانهيار كامل لقيادات نفس الخليفة المستبد ويرتأي القائد العام للقوات المسلحة اولوية في ابرام العقود يصبح الامر فضيحة تاريخية, نيولبرالية الاستبداد الشرقي.
تصدى باحث عراقي,الاستاذ عصام الخالصي, لتفكيك هذه العقود فكتب في جريدة الحياة في تموز 2014 تحليلا يقول فيه : " في 15 حزيران 2014 أعلنت وزارة الكھرباء أبرامھا عقدين استثماريين لبناء محطتين لتوليد الكھرباء تصل طاقتيھما إلى ( 4500 ) ميكاواط ولم يقدم قبل او بعد اعلان البيان أية دراسة مھنية متوفرة في القطاع العام عن الجدوى الحقيقية لھذين العقدين اللذين ابرما بالتفاوض من دون مناقصة رغم ضخامة الحجم الذي يتوقع ان يكلف الكھرباء المشترى منھما ما يزيد عن مليار ونصف المليار دولار سنويا لثمانية عشرة ونصف سنة اضافة الى كلفة الوقود مع العلم ان مقدار الاستثمار الكلي في المحطتين يقدر في حدود 3.1 مليار دولار
لايمكن بأي قابلية للخيال او التلاعب بالتعاريف اعتبار وضع الحكومة( وزارة الكھرباء) كمشتري وحيد او الاكبر لما ينتج من الكھرباء ھو تطبيق لھدف "تحرير الإقتصاد العراقي من النظام المركزي". وفي الحقيقة ان ذلك الاجراء ھو تركيز للنظام المركزي المتبع الان والذي برھن فشله في السنوات الاخيرة. كما لايمكن بأي تصور اعتبار الارتباط بأسعار مثبتة لثمانية عشر ونصف عام لذلك المنتوج ھو اجراء لاتباع سياسة "اقتصاد السوق".
ومما يلاحظ ايضا كون ابرام عقدي الاستثمار في الكھرباء في العراق قد تم اياما أقل من أصابع اليد الواحدة قبل انتھاء فترة الحكومة تحت غطاء الشرعية البرلمانية تتحول بعدھا الى ادارة تصريف اعمال لايمكنھا قانونيا او اخلاقيا الزام الحكومات القادمة بتنفيذ عقود بھذا الحجم والنوعية لما يقارب العقدين. الاوليات المتوفرة لعقدي الاستثمار في كھرباء العراق تؤشر بقوة الى تعارضھا مع المبادئ المتعارف عليھا عالميا في عقود الخدمات العامة وھو ما يدعو الى جلب نظر منظمة الشفافية الدولية اليھما.
يجري الاستاذ عصام الخالصي حسابات تفصيلية لقيمة العقود هذه ويقارنها مع مثيلاتها في دولة مجاورة هي السعودية مع انها غير مشهورة بالعفة والنزاهة في تعاقداتها, فيخلص الى :
" عند مقارنة العقدين العراقي والسعودي يتبين ان ما سيدفعه العراق الى مستثمريه في قطاع الكھرباء يتجاوز بحوالي 15.5 مليار دولار ( خمسة عشر ونصف مليار دولار) أكثر مما ستدفعه السعودية الى مستثمريھا في محطة كھرباء القرية لتجھيز نفس الكمية من الكھرباء ولنفس المدة وبنفس الشروط العامة وھو ما يعادل حوالي 840 مليون دولار سنويا."
سيدفع العراق حوالي 29 مليار دولار الى المستثمرين الاثنين للثماني عشرة سنة ونصف وهي مدة نفاذ العقدين, اي حوالي مليار ونصف المليار دولار سنويا ,اضافة لكلفة الوقود, وكم هي كلفة الوقود لهاتين المحطتين؟ انها 3500 مليون دولار سنويا ( ثلاث مليارات ونصف ), تضاف الى ثمن الكهرباء . ( كلفة الوقود تحسب بسعر الغاز الايراني المباع للعراق وهو11 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية BTU وهذا يترجم الى 75 دولار للميغاوات- ساعة من الكهرباء).
ان بشاعة وقبح هذا المشهد يصبح منافي لابسط قواعد الانسانية عندما ندرك ان هاتين المحطتين لا حاجة للعراق بهما البتة !! بالاخص محطة الرميلة . ففي هذا الحقل – المحرقة الغازية اكملت شركة هيونداي الكورية للتو محطة طوربينات غازية بطاقة 1500 ميغاوات لكنها عاطلة عن العمل بسبب حجب الغاز عنها , وقريبا جدا من الرميلة اكملت الشركة اليونانية ميتكا ايضا للتو محطة اخرى سبق ذكر تفاصيلها وبطاقة 1250ميغاوات وهي ليست فقط عاطلة انما يجري تحويرها (بكلفة اضافية تبلغ 165 مليون دولار) للعمل بالوقود الثقيل بعيدا عن الغاز , مجموع طاقة المحطتين اذن يقرب من الطاقة النهائية لهذه المحطة المسماة "استثمار", فيما اذا اكتملت .
محطتان واحدة في قلب محرقة الغاز,الرميلة, والاخرى على بعد "شمرة عصا" منها ممنوعة من العمل , ولكن الخليفة وسدنة الكانتون الطائفي يرون اولويات اخرى لا تخضع لمعايير المصالح للشعب العراقي , انه "الاستثمار" الجديد وبعيد المدى وبعيدا عن الغاز العراقي الذي بلغت كمية المحروق منه 1491 مليون قدم مكعب باليوم اي ما يعادل 270 الف برميل يوميا من النفط الخام حسب اعلان وزارة النفط في حزيران , سعد الله الفتحي: جريدة الغلف نيوز 20 ايلول 2015 .

اذن كل القرائن تقول ان هذا المسخ العجيب المسمى استثمار او خصخصة يستمد حياته من تعطيل او تدمير خدمة الكهرباء الوطنية, ولنستمر في المقارنة مع السعودية مثلا, الدولة السعودية تملك طاقة انتاج كهربائية تناهز 66 الف ميغاوات , اي حوالي تسعة اضعاف الطاقة العراقية خارج اقليم كردستان, الطاقة هذه تحتوي على احتياطي انتاجي يقدر ب 15% , والمنتج المستقل المذكور انفا اذا ما اضاف 4000 ميغاوات فهذا يشكل اضافة 6% الى شبكة تتوفراصلا على فائض 15% ولم يدر بخلد احد ان تعطل او تخرب الشيكة الوطنية العامة لفسح المجال لابتزاز المجتمع, تحت صيف ملتهب, لكي يذعن صاغرا لمشيئة "المستثمرين". بينما ما يحدث في العراق تحت مسمى الاستثمار شي اخر كليا انه يفترض لا بل يتطلب تدمير المنظومة الوطنية العامة . في الواقع ان منظري "الاستثمار" يقولون هذا بصريح العبارة في ما تسرب عن قانون وزارة الكهرباء, لكن هذا له مبحث خاص.
لماذا لم تستطع الوزارة بكادرها المئة الف من نصب معداتها ولجأت الى شركتين اردنيتين,ولو بنكهة عراقية, بكلفة تفوق حتى نظيراتها في السعودية وسيل مالي يتدفق لمدة 18 عاما ونصف لتوفير جزء من الكهرباء ؟ ولماذا يتعارض اصلاح المنظومة الكهربائية العامة او في اقل تقدير نصب المعدات المستلمة اوتشغيل المحطات التي انجزت مع هكذا استثمار خاص ؟ وتغيب المنظومة القانونية لصالح "جهد ودعم من دولة الرئيس" ؟ ان منع نصب وحتى تشغيل المحطات المنجزة وتقييد الغاز بمغاليق محكمة وابتزاز المجتمع ليركع صاغرا "للاستثمار" فهذا ليس فقط استبداد شرقي طاغوتي ,انه جريمة ضد الانسانية, لا علاقة لها باسثمار خاص او عام او لبرالية السوق هذه كلها تصبح القاب مملكة في غير موضعها.
المعلومات المتوفرة لحد الان تشير الى ان منهج "الاستثمار", كما بيناه اعلاه مستمر مع الادارة الحالية لا بل تعداها رجوعا الى منهج السطو كذلك على طوربينات جنرال اليكترك المملوكة للدولة , كما حصل عام 2011 وذلك في محطة جديدة في السماوة بقدرة 750 ميغاوات



شارك اصدقائك


التعليقات (1)

  • DavidHet

    Do you feel the pain of acid reflux? Do you feel a fire inside your chest? Are you miserable? Are you ready for the issues to stop? Continue reading to find out how. Keep reading to learn to control acid reflux for good and to end the misery for good.

    You may need to balance out hydrochloric acid amounts in your body if you want to reduce acid reflux and its symptoms. You can do this, for instance, by using sea salt rather than table salt. Sea salt has chloride and minerals that are good for the stomach and prevent acid.




    https://www.viagrasansordonnancefr.com/viagra-generique-sans-ordonnance-obtenir/

    الأربعاء 15 مارس

اترك تعليقك

اقرأ أيضا