>

إسرائيل لا تتحدث إلا عن الحرب - مصطفي السعيد

إسرائيل لا تتحدث إلا عن الحرب
مصطفي السعيد

ترتفع حرارة الحملات الانتخابية بأسرائيل علي دقات اليمين الإسرائيلي لطبول الحرب بالتزامن مع صدور التقدير الإستراتيجي السنوي الذي أعده معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي لعام 2019، وكشفا معا عن حجم مخاوف إسرائيل، الذي تريد التخلص منه بالحرب التي تشغلها ليل نهار، وجاء في التقدير الإستراتيجي أن اندلاع مواجهة عسكرية مع سوريا وإيران وحزب الله والفلسطينيين قد زاد عن أي وقت مضي، وأن الوجود العسكري الإيراني في سوريا أصبح حقيقة واقعة، في الوقت الذي صرح فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو بأن غارات الطيران علي سوريا قضت علي الوجود الإيراني، وقد أثار تصريح نيتانياهو خصومه في الأحزاب المنافسة، لأنه حطم مبدأ الغموض الذي تتبعه إسرائيل، واعترف بتوجيه ضربات جوية ضد سوريا صراحة، ليستغل خوف الإسرائيليين من تنامي القوة العسكرية علي الجبهة السورية، ويدعي أنه من سيجلب الأمان في دعايته الانتخابية.

الحقيقة أن اللعب علي وتر الخوف لا يرتكبه نيتانياهو وحده، بل معظم الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة، تتسابق تحت عناوين الحرب المقبلة، فالكثيرون يروجون أن الحرب تقترب أكثر فأكثر، وأن الخسائر سوف تكون مروعة، وأن المدن الإسرائيلية ستكون ساحة رئيسية لتلك الحرب لأول مرة في تاريخ الكيان، فقد أصبحت الحرب هي الشغل الشاغل للناخبين والمرشحين، وكلما توجهت نحو اليمين الأكثر تطرفا ارتفعت لهجة الوعيد بالحرب، وبالطبع هناك أحزاب أكثر تطرفا من نيتانياهو، كثير منها أصبحت تحت سيطرة الجماعات الدينية، التي تزحف بأفكارها ونمط سلوكها علي مختلف مجالات الحياة، مع تراجع واضح للأحزاب العلمانية، وانحسار لليسار، وهو ما يزيد من احتمالات الحرب ويضعف أي فرص للحديث عن السلام أو مبادرات جديدة، فاليمين لا يقبل بأي انسحاب من الأراضي الفلسطينية أو الجولان السوري في ظل أي تسوية مقترحة، حتي لو كانت صفقة القرن التي يلوح بها الرئيس الأمريكي ترامب. فهل فعلا تتجه إسرائيل نحو الحرب؟ الأجواء السياسية ملبدة بغيوم الحروب، فمعظم المتنافسين يتحدثون عن ضرورة الحرب والاستعداد لها، أن الحرب اليوم أفضل من الانتظار حتي الغد، حيث سيكون الأعداء أكثر قوة، بعد أن حققت سوريا إنتصارا لافتا، وكذلك العراق، إلي جانب تنامي قوة حزب الله اللبناني، مع زيادة المخاطر التي يشكلها قطاع غزة، الذي أصبح يتحصن بصواريخ تصل إلي عسقلان وبئر سبع والمؤكد أن مداها يصل إلي تل أبيب، في الوقت الذي يزداد فيه احتقان سكان الضفة، الذين ضاقوا بالمصادرة والتهجير والهدم والاعتقالات والحواجز الإسرائيلية، فيهاجمون كل إسرائيلي يمكن أن تصل إليه أياديهم، بالطعن أو الدهس، فترتفع الأسوار لتحمي سكان المستوطنات، ربما يشعرون بالأمان، لكن لا شيء يمكن أن يطمئن الإسرائيليين، وقد ذكر التقدير الإستراتيجي الذي شارك في إعداده العديد من الجنرالات والوزراء والضباط الإسرائيليين أنّ معظم الجبهات المحيطة بإسرائيل باتت شبه متفجرة، بانتظار الصاعق الذي قد يشعلها.

ويؤكد التقدير أن فرصة نجاح صفقة القرن ضئيلة للغاية، لكن يمكن أن تستغل إسرائيل فشلها وتلقي بالسبب علي التنظيمات الفلسطينية، وتتهمها بالتطرف وعدم الرغبة في التوصل إلي حل، وينصح التقرير بشن حرب علي من تسميهم بالمتطرفين الفلسطينيين، خصوصا في قطاع غزة، وأن تستعيد الهيبة العسكرية وقوة الردع التي تراجعت كثيرا ولم تعد تخيف الفلسطينيين في غزة. لكن تبقي استعادة سوريا قدراتها العسكرية وتطوير تلك القدرات بفضل الخبرة التي اكتسبها الجيش السوري والأسلحة الروسية الجديدة، خصوصا منظومة صواريخ إس 300 والطائرات والدبابات الأكثر تطورا، إلي جانب الصواريخ الإيرانية بعيدة المدي والأكثر دقة وتدميرا، لهذا تحظي سوريا بقسط متزايد من الاهتمام والمخاوف، لكن الخبراء العسكريين الإسرائيليين لا يشيرون فقط إلي خطر الصواريخ التي ستأتي من غزة وجنوب لبنان وسوريا وإيران، وإنما تؤكد أن قوات المشاة الإسرائيلية في وضع سييء، سواء من حيث التجهيزات أو مستوي الأداء، وأن الروح المعنوية منخفضة، والجبهة الداخلية ليست علي مستوي التحديات.

ما يمكن أن نستنتجه من الحملات الانتخابية التي تستعد للتوجه إلي صناديق الاقتراع بعد ثلاثة أشهر أن الناخبين والمرشحين خائفون من الحرب، وأن ارتفاع نبرة التهديد والوعيد يعكس تزايد المخاوف الإسرائيلية من الحرب التي تراها حتمية وقريبة وأنها تشك في قدرتها علي كسبها، بالقول إن زمن الحروب السريعة والمضمونة قد انتهي، وأن إسرايل مقبلة علي زمن أصعب، لكن تلك المخاوف لن تدفع الإسرائيليين إلي السلام بل القفز علي الخوف بالمزيد من العدوانية والتشدد، والإسراع في تفجير الصاعق.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا