|

لواء أ.ح. حسام سويلم
لم يعد خافيا علي أحد أن من ركائز النظام الحاكم في طهران تصدير الثورة الخومينية إلي سائر الدول العربية الإسلامية..
فقد أعلن ذلك صراحة الكثير من المسئولين الإيرانيين بدءا من الخوميني أثناء عودته بالطائرة عام1979 من باريس إلي طهران عندما قال: لقد حكم العرب هذه المنطقة لعدة قرون, وحكمها الكرد لعدة قرون, وحكمها الترك لعدة قرون, والآن حان الوقت لكي يحكمها الفرس لقرون طويلة مقبلة..
وتم بالفعل تشكيل الحرس الثوري الإيراني ليكون أداة النظام الإيراني للمحافظة عليه في الداخل, ولتصدير الثورة في الخارج من خلال فيلق القدس الذي تم تشكيله داخل الحرس الثوري ليكون وسيلته لتصدير الثورة إلي الدول الأخري الإسلامية. إلا أن نشوب الحرب العراقية ـ الإيرانية عام1980 عطل تصدير هذه الثورة لثماني سنوات الحرب, ولكن بعد أن تورطت أمريكا في الحرب في أفغانستان والعراق وقدمت البلدان علي طبق من فضة إلي إيران, استأنفت الأخيرة تصدير ثورتها بوتيرة أشد تركيزا وعنفا وتأثيرا, وذلك من خلال أذرعتها المتمثلة في حزب الله في لبنان, وأحزاب الله الخليجية, وحماس في غزة, والحوثيين في اليمن والسعودية, وشباب المجاهدين في الصومال,والتحالف مع أريتريا في جنوب البحر الأحمر.
وكان من نتيجة ذلك اشتعال أربع حروب داخلية في المنطقة العربية بإيعاز ودعم وتحفيز وتمويل وتسليح من إيران, أما التنفيذ فكان بواسطة أذرعتها الممتدة في العالم العربي, وبأرواح ودماء العرب ودون أن تسكب إيران نقطة دم واحدة.. وبذلك نجحت إيران في تصدير ثورتها إلي العراق بدماء العراقيين في الحرب الأهلية الدائرة هناك حتي اليوم, والتي قتل فيها أكثر من000,100 عراقي, ونجحت إيران أيضا في تصدير ثورتها إلي لبنان بدماء اللبنانيين الذي قتل منهم في حرب2006 حوالي1187 شهيدا و4500 جريح, وخسائر7 مليارات دولار وأكثر من000,50 مهجر.
كما نجحت إيران كذلك في تصدير ثورتها إلي غزة عام2009 بدماء الفلسطينيين الذي قتل منهم1417 شهيدا و4336 جريحا وخسائر3 مليارات دولار, واليوم تصدر إيران ثورتها إلي اليمن والسعودية بواسطة الحوثيين علي حساب دماء الشعبيين اليمني والسعودي, وتصدر ثورتها إلي الصومال بدماء الصوماليين الذين يقتل منهم المئات يوميا, ومحصلة كل ذلك حقيقة خطيرة نحن غافلون عنها تماما, وهي أن إيران تحقق أهدافها في تصدير الثورة إلينا بدمائنا نحن العرب, وما علي إيران سوي تمويل وتسليح عملائها في المنطقة بعد تثقيفهم عقائديا في قم وتدريبهم عسكريا في معسكرات الحرس الثوري.
وإذا كان البعض يزعم بأن إيران بذلك إنما تدعم المقاومة ضد إسرائيل, فإنني أنقل إليهم إجابة من مركز الدراسات الإستراتيجية في إيران شمس الواعظين عندما سئل في أثناء حرب غزة ـ7/1/2009 ـ هل لسوريا وإيران من المنظور الإقليمي مصلحة في أن تواجه إسرائيل المقاومة الفلسطينية في المجال الحيوي لإسرائيل ـ أي دول الطوق المحيطة بإسرائيل فلسطين ولبنان وسوريا ومصر؟ فأجاب: نعم هناك مصلحة طبيعية لإيران, وأريد أن أؤكد أن مصلحة إيران في أن تقوم إسرائيل باستنزاف قواها في مجالها الحيوي بدلا من أن تقوم بالانتقال إلي خارج حدودها, ونقل الصراع بعيدا إلي إيران.. وهذه مصلحة طبيعية لإيران, ثم أضاف كاشفا حقيقة أهداف إيران من وراء دفع حماس إلي هذه الحرب: ستحدث الحرب تغييرا أكيدا في كثير من المعادلات مستقبلا وفي البيت الفلسطيني وفي الكفاح المسلح, وفي السلطة في رام الله, وأعتقد أن حماس ستصبح علي غرار حزب الله بعد الحرب في لبنان, وستكون لحماس اليد العليا في التفاعلات الداخلية الفلسطينية, وستكون حماس القوة الكبري علي الساحة الفلسطينية, وهي التي ستقرر ما إذا كانت ستستمر في عملية التسوية علي الشكل الذي تطلبه حماس أو ستستمر في النهج المقابل, وهو ما سيقلب الكثير من الموازين في الشرق الأوسط. لذلك سيتعين علي إيران أن تجهد نفسها لمواجهة هذه المعادلة الجديدة, وعند ذلك ستلعب إيران دورا رئيسيا في المستقبل, عندما يتضح أن هناك تغييرا جيواستراتيجيا في منطقة الشرق الأوسط.
وهنا نتوقف لنستعرض ما حدث بعد توقف القتال عندما طالب خالد مشعل بتشكيل مرجعية جديدة للمنظمة الفلسطينية, وأفسدت إيران جهود مصر لتحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية, إلي غير ذلك من أحداث تشكل في مجملها ترجمة حرفية لما صرح به شمس الواعظين أثناء تلك الحرب. وغني عن القول التذكير بأن إيران عبر60 عاما من تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي لم تطلق طلقة واحدة تجاه إسرائيل, ولم ترسل جنديا إيرانيا واحدا ليقاتل إلي جانب الجيوش العربية التي خاضت خمس حروب ضدها, بل لقد منعت إيران حزب الله من أن يطلق صاروخا واحدا ضد إسرائيل أثناء حرب غزة تحسبا لمعركة الانتخابات اللبنانية التي كانت علي الأبواب, بل ومنع خامينئي متطوعين إيرانيين من الذهاب إلي غزة.
ومن جانبي أتساءل: هل توجد إسرائيل في البصرة بالعراق حيث دفعت إيران بـ000,30 إيراني للمشاركة في الانتخابات العراقية؟, وهل توجد إسرائيل في صعدة باليمن؟ وهل توجد إسرائيل في جيزان بالسعودية؟ وهل توجد إسرائيل في البحرين والصومال وأريتريا؟ بل هل توجد إسرائيل في أفغانستان وباكستان حيث تدعم إيران طالبان في البلدين؟ أما الخطورة الأشد علي العالم العربي ـ ودول الخليج العربية علي وجه الخصوص ـ فهي تتمثل في تهديد إيراني بضرب هذه الدول الخليجية بالصواريخ شهاب ولنشات صواريخ بحرية الحرس الثوري إذا ما تعرضت إيران لعملية عسكرية سواء من جانب إسرائيل أم أمريكا, هذا في الوقت الذي تعارض فيه كل الدول العربية شن أي عملية عسكرية ضد إيران بسبب برنامجها النووي, بل لقد أكدت دول الخليج العربية أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن عمل عسكري ضد إيران, ولكن حكام طهران يصرون من جانبهم علي تحميل دول الخليج هذه المسئولية بقصف أهدافهم الإستراتيجية خصوصا النفطية. ناهيك عن رغبة إيران في تفتيت العالم العربي إلي دويلات علي أسس عرقية وطائفية, علي النحو الذي تمارسه في العراق بخلق دويلة سومر الشيعية في جنوبه, وفي شمال اليمن بإنشاء دويلة للحوثيين الشيعة هناك, وكذلك في جنوب السعودية, إلي جانب الإمارة الإسلامية التي أنشأتها في غزة بزعامة حماس وانفصالها جغرافيا وسياسيا عن الضفة الغربية, وعرقلة جهود مصر لتحقيق مصالحة فلسطينية, وإقامة دولة حزب الله داخل لبنان, بعد أن أجلست طهران حسن نصر الله علي ترسانة ضخمة من الصواريخ والأسلحة والذخائر تفوق بمراحل ما لدي الجيش اللبناني.
وللرد علي من يدافعون عن إيران, وينفون عنها محاولاتها لتصدير الثورة والمذهب الشيعي, أورد نص ما جاء في كتاب إيراني صدر أخيرا مقولات في الإستراتيجية الوطنية لمؤلفه د.محمد جواد لاريجاني وهو واحد من أكبر خبراء الفيزياء في إيران ورئيس مؤسسة دار العلوم, وتولي منصب مساعد وزير الخارجية لعدة سنوات, وشقيق رئيس مجلس الشوري علي لاريجاني, وخلاصة ما يقوله إن دول العالم العربي ستصبح في نهاية المطاف بمثابة مقاطعات ستدين للولي الفقيه في طهران بالسمع والطاعة والانقياد, وأن الجمهورية الإيرانية هي دولة المقر بالنسبة للعالم الإسلامي. لذلك يجب أن تسعي إيران لتحقيق الوحدة بين الدول الإسلامية جميعا تحت الراية الشيعية والتي سترفع عنوة في العواصم السنية. وأن مسئولية إنجاز هذه المهمة يقع علي عاتق أم القري إيران التي تعتبر نفسها الركيزة الأساسية للحكومة الإسلامية العالمية, لأنها ـ أي إيران ـ هي الدولة الوحيدة الجديرة بزعامة العالم الإسلامي لأنها وحدها تملك النظام الإسلامي الصحيح والحقيقي, وهي المخولة بالمهمة الإلهية لإنقاذ العالم السني وإخراجه من الظلمات إلي النور.
وقد إطار ذلك يجب ألا تعترف إيران بالحدود الجغرافية والإيديولوجية, لأنها حدود مصطنعة ينبغي علي إيران أن تزيلها بالقوة أو دعم العنف داخل الدول العربية, لأنها ـ أي إيران وفق نظرية أم القري ـ هي القلب المذهبي الذي يسعي للتوسع لبناء الإمبراطورية الشيعية الإيرانية الموعودة لتكون النواة لدولة المهدي الشيعي المنتظر الذي سوف ينقذ العالم. انتهي الاقتباس والذي نفهم منه أن إيران بما تمارسه حاليا من عمليات انتشار سياسي وأمني وعسكري واقتصادي وعقائدي في المنطقة العربية, إنما تسعي في حقيقة الأمر إلي الانتقال بمشروع أم القري من إطاره النظري إلي بعده الإجرائي, والذي لن يتحقق إلا إذا بسطت إيران سيطرتها علي دائرة مجالها الحيوي والذي يشمل إلي جانب منطقة الخليج مناطق الشيعة في باكستان وأفغانستان بجنوب آسيا شرقا, وفي بلدان آسيا الوسطي شمالا, وحتي المغرب علي الأطلنطي غربا, وإلي جنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي جنوبا, وقد يتحقق ذلك في إطار صفقة مع الولايات المتحدة في إطار التفاوض حول الملف النووي, وعلي حساب مصالح الدول العربية وأهدافها.
أما التهديد الإيراني للأمن القومي المصري علي وجه الخصوص, فإنه لا يقتصر فقط علي محاولات إرسال الإرهابيين وقوافل الأسلحة والذخائر إلي داخل مصر عبر صحرائها الشرقية بزعم دعم المقاومة الفلسطينية في غزة, وإنشاء خلايا نائمة تابعة لإيران لتفجير الأوضاع وإثارة الاضطرابات داخل مصرعندما تلوح لإيران الظروف المناسبة لذلك, علي نحو المحاولة الفاشلة التي كشفت عنها أجهزة الأمن في مصر في إبريل الماضي واعترف بها حسن نصر الله, والغارة الإسرائيلية الجوية والبحرية ضد قوافل وسفن محملة بأسلحة إيرانية في المياه والأراضي السودانية في يناير الماضي قبل أن تصل إلي حدود مصر الجنوبية, ولكن شمل التهديد الإيراني للأمن القومي المصري أيضا السعي لتعطيل الملاحة في قناة السويس, وذلك من خلال تحكم إيران في مضيق باب المندب بجنوب البحر الأحمر, بعد أن أقامت قاعدة عسكرية في ميناء عصب بأريتريا وتم تسليحها بصواريخ ساحلية'c-ss-208' وصواريخ أرض/ جوtor-m1 وصواريخ أخري قصيرة المدي فجر, قدر, زلزال ومخازن أسلحة وذخائر تنقلها إلي المتمردين الحوثيين في شمال اليمن وجنوب السعودية عبر ميناء ميدي اليمني. وكما تستعد إيران في حالة نشوب حرب علي أرضها بسبب برنامجها النووي لإغلاق مضيق هرمز, فإنها تستعد أيضا في نفس الوقت لإغلاق مضيق باب المندب في وجه ناقلات النفط لتعطيل قناة السويس, وذلك من خلال وجودها العسكري في ميناء عصب وسفنها الحربية في خليج عدن. هذا بالإضافة للتناغم السياسي القائم بين طهران وجماعة الإخوان في داخل مصر, وما يعكسه ذلك من اضطرابات داخلية تسعي هذه الجماعة المحظورة لإثارتها من وقت لآخر.
وقد انعكس هذا التناغم في ثلاث مناسبات تهدد فيها الأمن القومي المصري بسبب ممارسات إيرانية وقفت فيها جماعة الإخوان إلي جانب الموقف الإيراني وساندته: الأولي عندما أيدت إيران وجماعة الإخوان قيام حماس بهدم الجدار الحدودي بين قطاع غزة وشمال سيناء في يناير2008 واندفاع ثلاثة أرباع مليون فلسطيني ليثيروا الاضطرابات ثلاثة أيام في محافظة شمال سيناء, والثانية عندما أيدت جماعة الإخوان المحاولة الإرهابية التي قام بها حزب الله ضد مصر في إبريل2009, والثالثة برزت في توافق البيان الصادر من إيران مع بيان جماعة الإخوان في مطالبة السعودية بعدم التعرض العسكري للمتسللين الحوثيين إلي داخل الأراضي السعودية.*
من مجلة الاهرام العربي
 |