|
.jpg)
بكى وأبكى.. هذا فعلا ما حدث في أمسية الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، التي نظمتها له مؤخرا لجنة دعم العراق في رابطة الكتاب الأردنيين..
حيث ازدحمت قاعة الرابطة بحشد كبير من العراقيين المقيمين في بغداد الذين تحلقوا حوله في ختام أمسيته معانقين - فيه- رائحة بغداد التي بكاها في قصيدته «دمع لبغداد» قائلا بصوت متهدج يغالبه الدمع «روحي بعدها يبست»... وإذ يقرأ عبد الواحد أوجاع العراقيين الذين تشتتوا في بقاع الأرض مستعينا بالصبر مناديا «يا صبر أيوب» فإننا نذهب لمحاورته عن أماكنه الأولى، وأماكنه الأثيرة، وتلك الأماكن التي يحملها معه «شعرا» أينما ارتحل، ورغم أنه زار العالم معظمه، إلا أنه يحلم بزيارة الأندلس. عنه وعن أماكنه كان هذا الحوار.
ماذا عن المكان الأول الذي يظل يحفر في الإنسان عميقا، خصوصا لدى شاعر مسكون ببلده مثلك؟
. أجل إنها بغداد مكاني الأول... وتحديدا منطقة العمارة، وميسان هي التي زرعت الشعر في روحي، دخلتها وعمري عامان ونصف العام بين شطئان أنهارها وأهوارها في (على الغربي) و(المجر الكبير) ومحلة السرية، كانت ملاعب طفولتي الأولى، في تلك البراءة وذلك الريف الصافي نموت وترعرعت حتى امتلأت كل عروقي بقدسيتها بطيبتها وكبريائها وصدقها والحب الذي تحمله لكل شيء، فكنت فيها شاعرا منذ طفولتي، تلك هي منابعي الأولى التي ما زالت ترفدني وأنا في الثمانين بأعز الحنين إليها الذي أنهل منه أعز الشعر، فارقت العمارة وأنا ابن ثلاثة عشرة عاما، ولم تضف إليَ حياتي الباقية شيئا أعمق ولا أصدق، مما أعطتني إياه العمارة، لهذا تجدينني حتى في كل ما كتبته من قصائدي للأطفال كتبته من ملاعب طفولتي فيها، ومن ذكريات صباي المبكر، نعم حياتي بعد ذلك زادتها عمقا دراستي وثقافتي وتجارب الحياة على كبر ولكن المنابع الأصفى والأثرى والأنقى تظل منابع الطفولة
وماذا عن بغداد المدينة التي شهدت مرحلة أساسية في حياتك الإبداعية، والاجتماعية؟.
في بغداد كل ما أحببته أصبح الآن ركاما وأنقاضا في شوارعها، مقاهينا، مقاهي الأدباء مقهى الرشيد ، مقهى حسن عجمي، مقهى الزهاوي، مقهى البرلمان/ منطقة الحيدر خانة برمتها، كانت تعج بذلك الجيل المتوهج من الشعراء والأدباء والفنانين والصحافيين، وتموج بذلك اللج المائج من الثقافة والإبداع، حكيَ لي أن هذه المقاهي كلها ما تزال حتى مقاعدها وطاولاتها أنقاضا مكومة في منطقة الحيدر خانة في شارع الرشيد لم يبق منها شي إطلاقا، ومعها ضاعت ملاعبي في الشباب وأصدقاء الشباب ذلك الزمان بكل ما فيها ومن فيها. ضاع زمن النور، وبدأ زمن الظلام. إلى أن تشرق الشمس على العراق من جديد.
تحضر المدن العراقية العراق في قصائدك وفي أمسياتك أينما حللت تحملها معك شوقا وذكريات؟.
كل مدن العراق العظيمة التي خاضت في دمها هذه السنوات السبع وردت في قصائدي، وأحيانا أسماء المحال، الأحياء وبالذات الكرخ.. الأعظمية، الرصافة، الصدر.... وهذه مناطق خضبت بدمها ولهذا كانت منابع الدم تنبجس منها في قصائدي..
بالتأكيد أتيحت لك فرصة زيارة مدن عربية و غربية عديدة بحكم مشاركتك في مهرجانات شعرية. ماذا عنها وهل استلمتها شعرا؟.
زرت معظم أنحاء العالم مدعوا غالبا إلى المهرجانات الشعرية فيها هذه المشاركات أعطتني مددا شعريا كبيرا بالتأكيد أولا من خلال ما رأيته فيها وعشته، وثانيا من خلال احتكاكي بشعراء العالم والعرب بشكل خاص، فأورثتني غنى في التجربة وغنى في الشعر... لدي قصائد نابعة من هناك، ومنها قصيدة بوشكين عن حياة شاعر روسيا الأكبر الكسندر بوشكين ومقتله... كذلك في بلغراد هناك القصيدة التي كتبتها عام 1999 في بلغراد وفزت بها بالجائزة الأولى في مهرجان الشعر العالمي كانت من وحي الهجوم الأمريكي على يوغسلافيا والمقاومة اليوغسلافية.... بالتأكيد المكان يعطينا منه شيئا جديدا..
متى كان أول السفر... وإلى أين؟ وما مناسبته؟.
كان أول السفر عام 1959، كنت وقتها رئيسا لأول وفد يخرج من العراق بعد ثورة 1958 إلى الاتحاد السوفيتي وكان وفدا تربويا، والغريب أنني بعد أسبوع واحد على وجودي في موسكو هذه المدينة العظيمة أحسست بحنين جارف إلى بغداد حد أن كتبت «الله لو وسدت قلبي موجة في نهر دجلة»، قيل لي انك أول مرة تخرج في حياتك ولأسبوع واحد وتريد أن تعود!، كان يخيل لي أنني إذا خرجت من العراق لأسبوع واحد اختنق كما تختنق السمكة، وها قد مضت على خروجي سبعة سنوات لا سبع أيام وما زلت أعيش، لكن مختنقا...
لكل مبدع أسلوبه في التعرف على المكان. كيف تصافح الأماكن الجديدة؟ ومن أي أركانها تبدأ؟
أنا أسعى في المدن أولا إلى أكثر مصابيحها ضوءا، آثارها، متاحفها وبؤر الثقافة فيها، أبنيتها الضخمة، معمارها الكبير، إن استطعت أن أصل إلى وجوه إبداعية كبيرة أتعرف إليها، بالتأكيد البشر أيضا، من الاحتكاك بالبشر أحس بطبيعة الأرض من خلال ما زرعته في أهلها من عادات أو أخلاق، فرؤية أي بلد جديد ثروة مضافة إلى الداخل فيه.
هل أنت متصالح مع المدن التي تزورها؟ أي المدن فتحت قلبها لك؟ وأيها لم تفتحه؟
. التصالح مع المكان يتبع الزمن الذي أكون فيه في تلك المدن، كنت قبل الحروب وقبل الاحتلال حبيب للمدن التي أزورها، وكانت كلها قلوبا منفتحة لي، الآن حيثما ذهبنا صرنا نحس بنظرة إما فيها من الحذر ما فيها، وإما فيها من الإشفاق ما فيها، وكلتاها تصدع القلب، يوم ما هاتفني لي صديقي الراحل محمود درويش رحمه الله، قال: عبد الرزاق من الذي قال «كل البلاد الغريبة موحشة حين تدخلها لاجئا»..... فضحكت قلت يا محمود أنت عانيت هذه الغربة وهذه الوحشة قبلي وكتبتها أنا الآن...
وهكذا بعد أن كانت كل مدينة ندخلها مؤنسة أنيسة لنا.. صارت موحشة مستوحشة...
ماذا عن إقامتك في دمشق المدينة العتيقة؟ وأي الأماكن السورية فضل؟.
دمشق الآن وطن... ليست لي وحدي بل لكل العراقيين الذين فيها، أولا دمشق فتحت قلبها على سعته لنا، ثم هي امتدادنا التاريخي والجغرافي ولالتحامها بالعراق، وعندما كان أولادي هناك في بغداد في السنوات الأولى من الاحتلال، كنت أحس التصاقي بها لقربهم مني.
دمشق فتحت لي قلبها وقامت بتكريمي أواخر العام الماضي، تكريما كأول مبدع عربي يكرم في دمشق، عشت مع أدبائها ومع شعرائها وبين أهلها الذين أصبحوا هم أصدقائي وأهلي... أحب كل سوريا.. مدينة مدينة، وكل مدينة أجمل من مدينة واقرب من مدينة، أتنقل فيها كأقرب أبنائها إلى نفسها..
وكل أدبائها وشعرائها ومثقفيها أصدقائي، دمشق حفظت لي لغتي، وحفظت لي شعري وحفظت لي كبريائي وهو ما لن أنساه حتى أخر لحظة في حياتي. الأيوبي ودرويش. ترتبط الأماكن عادة بناسها، فأي الأماكن إن جالت في بالك حضر ناسها؟ وأي الناس يحضر فيأتي المكان؟. حضرت دمشق في قصيدتي «شكرا دمشق» في افتتاح تكريمي فحضر مع دمشق الرمز العربي العظيم صلاح الدين الأيوبي.. ورثيت صديقي الحبيب محمود درويش في أربعينه في دمشق فحضرت معه فلسطين بكل أوجاعها.
أي الأماكن تحلم بزيارته..؟ ولم تزره بعد؟.
رأيت العالم كله تقريبا باستثناء أماكن قليلة لم أزرها.. المكان الذي أتمنى زيارته هو الأندلس.. احلم بزيارتها.. مع أنها عمقي التاريخي مع الأسف لم أرها حتى الآن.
وأنت أيضا من محبي المكان الأردني، شاركت في مهرجاناته، وندواته..
الخ.. فأي أماكنه أحببت؟. أحببت الأماكن الأردنية المتميزة بآثارها الرائعة، وذات مرة كنت في البتراء وركبت فيها حصانا، كان ذلك قبل أكثر من ربع قرن، وذات مرة في فرنسا وجدت صورتي وأنا اركب ذلك الحصان في أحد المجلات الفرنسية وتحتها عنوان «شاعر فوق صهوة جواد»... وبالتأكيد زرت مدينة جرش غير مرة إبان مشاركتي في مهرجانها.. طبعا صعدت إلى موضع النبي يحيى عليه السلام وزرت المغطس.. سيرا على الأقدام لكي أحج إليه..
واستغرق فيه...
ولد الشاعر عبد الرازق عبد الواحد في بغداد في العام 1930، انتقل مع عائلته وعمره ثلاث سنوات إلى محافظة ميسان .. وفيها قضى طفولته وصباه المبكر متنقلا ًبين شبكات الأنهار في لواء العمارة وقضائي علي الغربي والمجر الكبير .عاد إلى بغداد طالبا ًفي الصف الثاني المتوسط ، وفيها أكمل دراسته المتوسطة والثانوية والجامعية، وتخرج من دار المعلمين (كلية التربية) في العام 1952، عمل مدرساً للغة العربية في المدارس الثانوية. كما عمل مدرساً، ومعاونا ً للعميد في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد . عام 1970 نقلت خدماته من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الثقافة والإعلام، فعمل فيها سكرتيرا ًلتحرير مجلة «الأقلام»، ثم رئيسا ًلتحريرها.. فمديرا في المركز الفولكلوري، ثم أصبح مديرا ً لمعهد الدراسات الموسيقية، فعميدا ًلمعهد الوثائقيين العرب .في عام 1980 منح درجة مستشار خاصة، وعين مديرا ًعاما ً للمكتبة الوطنية، ثم مديرا ًعاما ًلثقافة الأطفال، فمستشارا ًثقافيا ً لوزارة الثقافة والإعلام خلال السنوات 1970- 1990.
زامل رواد الشعر الحر.. بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، إبان دراستهم في دار المعلمين (كلية التربية)، كتب الشعر الحر لكنه أميل إلى كتابة القصيدة العمودية، شارك في معظم جلسات المربد الشعري العراقي.
لقب بشاعر أم المعارك و شاعر القادسية. عضو اللجنة الوطنية العراقية للموسيقى، وهو من المؤسسين الأوائل لاتحاد الأدباء في العراق، نشر أولى قصائده عام 1945، وأول مجموعة شعرية له عام 1950، صدرت له اثنتان وأربعون مجموعة شعرية، منها عشر مجموعات شعرية للأطفال هي أعز شعره عليه ومسرحيتان شعريتان، من دواوينه: «قصائد كانت ممنوعة»، «أنسكلوبيديا الحب»، «قمر في شواطئ العمارة»، «زبيبة والملك»، «في مواسم التعب»، «قصيدة حب»، «أوراق على رصيف الذاكرة»، «الخيمة الثانية»، «في لهيب القادسية»، كتب ديوانا شعر عن صدام بعنوان «البشير1» و»البشير2». حصل على العديد من الأوسمة والجوائز منها: وسام بوشكين في مهرجان الشعر العالمي/ بطرسبرج 1976، درع جامعة كامبردح وشهادة الاستحقاق منها 1979، ميدالية «القصيدة الذهبية» في مهرجان ستروكا الشعري العالمي في يوغوسلافيا عام 1986، جائزة صدام للآداب في دورتها الأولى /بغداد 1987، الجائزة الأولى في مهرجان الشعر العالمي في يوغوسلافيا/ 1999 ، تم تكريمه ومنحه درع دمشق برعاية وزير ثقافة الجمهورية العربية السورية عام 2008 بمناسبة اختيار دمشق عاصمة للثقافة العربية. كتب عنه في موسوعات عالمية منها: موسوعة «Men and Women of Distinction» كامبردج لندن/1979. وموسوعة «Dictionary of International Biography» لندن/ 1979 .وموسوعة «MEN OF ACHIEVEMENT» كامبردج لندن/ 1980 .وموسوعة «WHO IS WH» كامبردج لندن1981.
ترجم شعره إلى اللغات الفرنسية، الانجليزية، اليوغوسلافية، الفنلندية، الروسية، الرومانية والألمانية. نشر له في الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة «قصائد مختارة» ترجمتها في جامعة كولومبيا في نيويورك د.سلمى الخضراء الجيوسي ود.لينا الجيوسي، والشاعرة الأمريكية ديانا هوفاسيان .ترجمت له أربعة آلاف بيت من الشعر إلى اليوغوسلافية عام 1989، ترجم البروفيسور جاك برك مجموعة من قصائده، والقسمين الأول والثاني من ملحمته «الصوت» إلى اللغة الفرنسية .كما نشرت له مجموعة قصائد مختارة في هلسنكي بعد ترجمتها إلى الفنلندية، كتب عنه وعن شعره عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه.
أطلق المنتدى العراقي في العاصمة السورية دمشق العام الماضي جائزة أدبية تحمل اسم الشاعر الرائد عبد الرزاق عبد الواحد. وجاء في بيان إعلان الجائزة «تقديرا للمواقف العراقية المشرفة للمبدع عبد الرزاق عبد الواحد، واعترافا بحضوره الشعري الباهر كرمز عراقي وعربي وإنساني حرّ ومقاوم سخر حياة شعرية كاملة خدمة لهموم الشعب في كل مكان، وسعيا من المنتدى الثقافي العراقي في دمشق إلى تأسيس تقاليد ثقافية تحتفي برموز الوطن المبدعة والمجاهدة، فقد قررت الهيئة الإدارية للمنتدى إطلاق «جائزة عبد الرزاق عبد الواحد للشعر».
«سلام على بغداد». «كبيرٌ على بغداد أني أعافُها. وأني على أمني لدَيها أخافُها. كبيرٌ عليها بعدَ ما شابَ َمفرقي. وَجفّتْ عروقُ القلب حتى شغافُها. تَتَبَّعتُ للسَّبعين شطآنَ نهرِها. وأمواجَهُ في الليل كيف ارتجافُها. وآخَيتُ فيها النَّخلَ طَلْعاً، فَمُبْسرا.ً إلى التمر، والأعذاقُ زاهٍ قطافُها».
«يا نائيَ الدار».
«لا هُمْ يَلُحونَ.. لا أصواتُهم تصًلُ.
لا الدارُ، لا الجارُ، لا السُّمّارُ، لا الأهَلُ.
وأنتَ تنأى، وتبكي حولكَ السُّبُلُ.
ضاقت عليك فًجاجُ الأرضً يا رَجُلُ.
سبعينَ عاماً ملأتَ الكونَ أجنحةً.
خَفْقَ الشَّرارً تلاشتْ وهي تشتعلُ.
لا دفَّأتْكَ، ولا ضاءَ الظلام بها.
طارتْ بعمْرًكَ بَيْنا أنتَ منذهًلُ».
«يا صبر أيوب».
«قالوا وظلَّ.. ولم تشعر به الإبلُ.
يمشي، وحاديهِ يحدو.. وهو يحتملُ..
ومخرزُ الموتِ في جنبيه ينشتلُ.
حتى أناخ َ ببابِ الدار إذ وصلوا.
وعندما أبصروا فيضَ الدما جَفلوا.
صبرَ العراق صبورٌ أنت يا جملُ!.
وصبرَ كل العراقيين يا جملُ.
صبرَ العراق وفي جَنبيهِ مِخرزهُ.
يغوصُ حتى شغاف القلب ينسملُ.
وكان ما كان يا أيوبُ.. ما فعلتْ.
مسعورةً في ديار الناس ما فعلوا.
ما خربت يد أقسى المجرمين يداً.
ما خرّبت واستباحت هذه الدولُ.
هذي التي المثل العليا على فمها.
وعند كل امتحان تبصقُ المُثُلُ! يا صبر أيوب، ماذا أنت فاعله.
إن كان خصمُكَ لا خوفٌ، ولا خجلُ؟».
«كالبحر صوتك».
«كالبحر صوتك يا محمود يأتيني.
هديرُ أمواجه يبري شراييني.
كالبحر أسهر طول الليل أرقبه.
ينأى فينشرني دمعا ويطويني.
وأنت توغل في المجهول أشرعة.
محمَّلاتٍ بآلافِ الدواوينِ.
طويتها موجعا والعمر أجمعه.
لم تبق منها هنا غير العناوينِ.
ونبضة علقت تبكي بزاوية.
في أرض غزة بين الماء والطينِ.
أكاد أسأل من منا أمض أسى.
أنا العراقيٌّ أم أنت الفلسطيني؟!..»
 |