>

صرخة البغدادي بين خطابين

رأي القدس


بعد خروجه العلنيّ قبل عامين من على منبر الجامع الكبير في الموصل يظهر زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي – والمعركة تشتدّ على أبواب الموصل – في حال جديد يفصح عنه اختفاؤه هذه المرة عن الأنظار واكتفاؤه بتسجيل صوتي مما يحيل إلى دلائل عديدة على التغيّرات الجسيمة الحاصلة منذ خطابه ذاك عام 2014 والذي أعلن فيه وقتها عن قيام «دولة الخلافة».
على عكس الخطاب الأول الذي بثّ إلى عموم المسلمين في العالم داعياً إيّاهم عمليّاً إلى الدخول في بيعته ضمن «دولة الخلافة» توجّه البغدادي هذه المرّة إلى أهل محافظة الموصل عامّة وإلى «المجاهدين» خاصة حاثّاً إيّاهم على عدم الضعف عن «جهاد عدوّكم ودفعه»، ويعكس هذا الانحسار الجغرافي من عموم المسلمين إلى أهل محافظة الموصل وإلى عناصره في التنظيم حقيقة التراجع العسكريّ والسياسي للتنظيم الذي بات مطارداً في العراق وسوريا وليبيا بعد أن كانت غزواته قد بلغت حدود بغداد والأردن واجتاحت مناطق واسعة من سوريا كما استقرّت في سرت الليبية وأخذت تعلن عن عملياتها في كل مكان من الكرة الأرضية.
كان خطاب البغدادي شبيهاً، في تكلّفه البلاغي وترصيعه كل كلامه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، بأي خطبة جمعة في عاصمة عربية لكنّه اختلف في نقطتين رئيسيتين:
الأولى شكلية، فقد ظهر البغدادي، على عكس شيوخ المسلمين السنّة في العالم أجمع، بعمامة وثياب سوداء في خلط لمجموعة من الرموز والدلالات الثقيلة التي تجمع بين طقوس وعلامات الشيعة والسنّة، ويناظر ذلك أن خطابه الطائفيّ السنّي لم يخلُ من الافتتان المكتوم بإيران (على مذهب التماهي بالمتغلّب الذي شرحه ابن خلدون في مقدمته)، ولا بدّ أن في اجتماع هذه العلامات بقايا من وصف المسلمين الأوائل للعراق بأرض السواد، ثم من استخدام العباسيين للراية السوداء والتي سمّي أتباعهم بـ»المسوّدة» بسببها.
والثانية تتعلّق بالطبع باعتباره أن ما حصل من استيلائه على الموصل ومناطق واسعة من العراق وسوريا استئنافاً للخلافة التي اعتبرها واجباً ضيّعه المسلمون لقرون فجهلوه.
وبعكس الخطاب الأول المتفائل والذي يقلّد أسلوب الخلفاء المسلمين الأوائل عن طاعته وتوليته «الأمانة العظيمة» فإن خطاب البغدادي الأخير أمس مليء بالقسوة اللفظية والمرارة والإهانات لـ»رعاياه» الذين يزعم النطق باسمهم من «أهل السنّة» حيث يقوم بتقريعهم قائلاً «يا أهل السنّة في العراق، أفي كل مرة لا تعقلون؟».
ينتقل البغدادي من تأنيب أهل السنّة إلى انتقاد زعمائهم في المنطقة بشراسة معتبراً إياهم مارسوا «أحط وأحقر صور الخيانة التي عرفها التاريخ»، بل إنه يدعو إلى مهاجمة السعودية وتركيا، واحدة لكونها تحاول «علمنة» البلاد والمشاركة العسكرية في محاربة «أهل السنة في العراق والشام»، والثانية لسعيها إلى «تحقيق مصالحها وأطماعها في شمال العراق وأطراف الشام».
يقدّم الخطابان صرخة وصدى لصعود وهبوط مشروع «الدولة الإسلامية» العدميّ والانتحاريّ، الوثيق الصلة بحاضر العراق الحديث، فرغم تلفّعه واستناده المبالغ فيه إلى الماضي فإن هذا المشروع هو خلاصة التداعي الكارثيّ للدولة الوطنية العربية الحديثة التي قامت على الدكتاتورية والطغيان وانتهت بالاحتلالين الأمريكي والإيراني فحوّلت شعباً حمل مشعل الحضارة الأولى في العالم إلى نسيج متهتّك تتقاتل نخبته على العمالة للأجنبي وتتعامل مع ثرواته كغنيمة للنهب وتتفتّت أركانه في نزاع طائفيّ بشع لن يكفّ عن إطلاق أمثال الزرقاوي والبغدادي اللذين هما مرآتان معكوستان لأمثال نوري المالكي وقادة الميليشيات الطائفية.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا