>

باعة معلبات الطوائف والإرهاب في العراق - هيفاء زنكنة

باعة معلبات الطوائف والإرهاب في العراق
هيفاء زنكنة


حذرت منظمة الصحة الدولية من التدهور السريع في اوضاع النازحين والمهجرين قسرا داخل العراق الذين تجاوز عددهم 3 ملايين ومع قرب نفاذ الميزانية المكرسة لتزويدهم باحتياجاتهم الصحية الاساسية. تم اطلاق نداء الاستغاثة ، بينما يزداد السباق المحموم بين ساسة النظام العراقي على تسليح أتباعهم ، سواء كانوا سنة أو شيعة أو كردا، على قاعدة « كل واحد يحود النار لخبزته» ، أي يدفع النار لينضج خبزه فقط ، وترجمتها بالواقع العراقي الملموس، كل واحد يريد السلاح لنفسه، دفاعا عن مصلحته على حساب الشعب والوطن ، بذريعة محاربة الأرهاب – المشجب الذي ، يتغير مصدره، بين فترة وأخرى ، حسب الطلب، بينما تبقى الحقيقة مدفونة تحت كراسي الساسة ، أو على الأغلب، في حسابات المصارف الأجنبية.
الحقيقة هي ان أعداد ضحايا خدعتي « تحرير العراق» و « الحرب على الارهاب» ، وأكداس الأسلحة والذخائر التي إستخدمت وتستخدم فيهما، يزيد على المليون عراقي ، سواء من قتل بشكل مباشر أو نتيجة الاصابة بجروح ، بالاضافة الى ضحايا ما خلقه الاحتلال ورعاه مستخدميه من اقتتال طائفي – عرقي وبروز تنظيمات ومليشيات ارهابية. هذه حقيقة لم تعد تقبل الجدل. بل ان التقارير والاحصائيات المحلية والدولية ماعادت تختلف على الارقام بل يتركز اختلافها حول كيفية فقدان الحياة البشرية. هل هو القصف الجوي أو تفجيرات المفخخات أو الاقتتال المباشر أو الرمي العشوائي أو مداهمة السجون وقتل وحرق من فيها؟ ويجب ألا ننسى أن عدد الجرحى الذين يتجنبون الموت الفوري ، قد يصبح بعضهم معوقين مدى الحياة، بسبب الحالة المزرية للخدمات الصحية ، يعادل ثلاثة أمثال القتلى على الأقل. فكم من عائلة فقدت معيلها وحقها في العيش بكرامة؟
واذا كانت الحياة البشرية قد اصبحت ارقاما واحصائيات يتم تكرارها، بشكل آلي ، نزع عنها القيمة الأنسانية ، وأفقدها التأثيرالصادم، المحفز، لايجاد السبل لوضع حد لها ، فأن التكلفة المادية للحروب والصراعات ، بالاضافة الى اعادة بناء البنى التحتية بعد تخريبها، لاتزال تحتل مساحة واسعة من اهتمام الحكومات والمؤسسات ، خاصة ، تلك التي تقدم نفسها الى العالم باعتبارها دولا تخوض الحروب من اجل تحرير الشعوب، وارساء الديمقراطية وأنها « تحارب الارهاب من اجل الجميع « ، كما اصبحنا نسمع من رؤساء حتى الحكومات الافتراضية مثل العراق. فكلما تستدعي الأدارة الامريكية رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الى واشنطن لجر أذنه ، نجده يخاطب مسؤولي الادارة الامريكية مبررا وجوده ومستجديا السلاح، بقوله ان العراق يقاتل الأرهاب بالنيابة عن العالم ( يعني أمريكا) ، في ذات اللحظة التي تُسمع فيها اصوات التفجيرات بوسط بغداد ، ونرى سقوط المزيد من الضحايا ، وذووهم يتساءلون عمن خوٌل العبادي صلاحية تقديم العراقيين قربانا لبلد زرع بذرة الارهاب في العراق وغيره!
خطاب النظام، والعبادي ليس النموذج الوحيد بين الحكام العرب، يساهم في تطويل حياة الخدعة الكبرى التي أشرف على تصنيعها محافظو أمريكا الجدد، وجلهم من الصهاينة ، باسم « محاربة الارهاب» . ولأن معظم المحافظين الجدد وحتى العديد من المسؤولين في الادارة الامريكية هم من محتلي المناصب الاستشارية والعليا في كارتيل صناعة وتجارة السلاح ، صار جوهر سياسة محاربة الارهاب هو بيع السلاح . ويدلنا التسلسل المنطقي في الترويج لبيع السلاح الى خلق الحاجة اليه . وهل هناك ما هو أفضل من اشعال الحروب والنزاعات وتقسيم البلدان واستحداث المناطق المتنازع عليها وبالتالي الحروب الاهلية لبيع السلاح ؟ وهل هناك ما هو أفضل من ازدهار التجارة من خلال توفيرها لكل الاطراف المتقاتلة؟ وهل هناك أفضل من الاستثمار في ساسة فاسدين لا يرون أبعد من مصلحتهم الشخصية بتعليب الدين والطائفة والعرق؟
أن الفائز والمستفيد الأول من كل مشاريع التفرقة، والتقسيم، والحروب، هم تجار السلاح ومن يعمل معهم ، بدرجات، من شبكات بيع السلاح الى الوسطاء والمرتزقة الى الحكام اللصوص. ومع ان وجود هذه التركيبة قديم قدم رغبة البعض في الهيمنة الا انها تطورت في العقود الأخيرة ، بشكل سريع ومذهل ، نتيجة التقدم العلمي المستخدم عسكريا، وتزايد الدور الآلي على حساب الدور البشري، بالاضافة الى كونها باتت أقوى من الحكومات الوطنية . حيث يتحكم المتنفذون فيها، من خلال التعاون مع اجهزة الاستخبارات ، احيانا، بسياسات الدول الكبرى والصغرى على حد سواء. واذا كان الرئيس الأمريكي السابق الجنرال دوايت آيزنهاور، قد حذر من هيمنة التجمع الصناعي العسكري على الحياة في بلاده، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، فقد أهمل ان يذكر دورها التخريبي القاتل على البلدان الأخرى، خاصة دورها في التسليح غير الشرعي وغير المعترف به قانونيا، ونراه باوضح صوره في الدول العربية والأفريقية.
تشهد الدول العربية ، في السنوات الأخيرة، زيادة مقتنياتها من السلاح على حساب الميزانية المكرسة للتنمية الاقتصادية والصحة والتعليم ، والذي غالبا ما تستخدمه أما ضد بعضها البعض أو ضد شعوبها. اذ تشتري دول الخليج 54 في المائة من واردات المنطقة من الأسلحة، بزيادة 71 في المائة، في الخمس سنوات الاخيرة. وأصبحت السعودية ثاني أكبر مستورد للأسلحة على المستوى العالمي، بعد أن تضاعفت وارداتها بنحو أربع مرات. وتعتبر الجزائر أكبر مستورد في القارة الأفريقية، يليها المغرب، حسب التقرير الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري» العام الحالي. ويشير التقرير الى ان الدول التي تتصدر قائمة التصدير الرسمي المعلن عنه هي أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا واسرائيل.
ان انعكاسات شراء الاسلحة على المجتمعات في الدول العربية كارثية وها نحن نراها بابشع صورها في سوريا واليمن وليبيا . أما في العراق، فأنها تتبدى ، لا في عدد الضحايا المتزايد يوميا فقط ، وفي استجداء المساعدات الصحية والغذائية والعراق من الدول الغنية ، بل يتجاوزه الى مشروع تقسيم العراق . هنا لا يمكن لوم الدول المصنعة للسلاح ولا كارتيلات المتاجرة به فحسب ، بل يجب تحميل النظام العراقي بكافة « مكوناته» مسؤولية الأبادة والتخريب ، ففي ظل حكمهم لا التحرير تم ولا القضاء على الارهاب سيتم.
٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا