>

العراق: ما يحقّ لإيران لا يحقّ لتركيا؟

رأي القدس


تناسى قادة العراق الحاليّون إحكام إيران على أركان بلدهم عسكريّا وسياسياً واقتصاديا، ومسؤوليتهم عن التردّي الهائل لشؤون وطنهم على كافّة الأصعدة والخراب العظيم الذي يحيط بسكّان البلد، وتفرّغوا لتهديد تركيّا بـ»حرب إقليمية»، وبشكواها إلى مجلس الأمن الدولي، وفي اعتبار وجودها في قاعدة بعشيقة في كردستان العراق احتلالاً يستوجب المكافحة في الوقت والساعة.
حكومة بغداد، التي يفترض أنها المسؤولة عن تسيير شؤون البلاد والعباد، تتداعى (مع رحيل وزيري الدفاع والمالية) تحت ضغط اتهامات البرلمان لهما بالفساد، والبرلمان نفسه تعرّض لاقتحام المتظاهرين الذين اكتشفوا أن «المنطقة الخضراء» لا تشبه بلدهم العراق في شيء، ورئيس الحكومة، حيدر العبادي يصدّ مؤامرات زميله في حزب «الدعوة» نوري المالكي للإطاحة به، والزعيم الشيعي مقتدى الصدر يستخدم نفوذه الشعبيّ الهائل لتغيير المعادلة، فيما التفجيرات الانتحارية تتوالى يوميّا وضحاياها الأبرياء يتساقطون بالعشرات.
يجري كل ذلك في الوقت الذي يسمع ويقرأ ويشاهد العراقيون انحطاط السياسة مع تحوّل قادتها ذيولاً لإيران (أو عملاء مزدوجين لها ولأمريكا في الوقت نفسه) ومع انشغالهم بتكديس صفقات الفساد التي جعلت بلدهم على قائمة أكثر البلاد فسادا في العالم.
وإذا كان الحال بهذا الانهيار المخزي في العاصمة فإن خارجها (وخصوصاً في المدن التي احتلّها تنظيم «الدولة الإسلامية» أو جرى فيها قتال واحتلتها فصائل «الحشد الشيعي») في وضع أقرب للكارثة الإنسانيّة المفتوحة حيث تحوّل البشر إلى رهائن في يد أحد الطرفين المتقاتلين، فإذا كان «تنظيم الدولة» يصفّي المحسوبين على النظام حين يدخل مدينة أو بلدة، فإن اجتياح الفصائل الشيعيّة للمدن السنّية يكاد يشبه الانتقام التاريخيّ من سكانها منه إلى «التحرير».
وإذا كان هناك شيء يمكن أن توصف به هذه الحكومة العراقية (إضافة إلى مآثرها الكثيرة التي ذكرناها) فهو فقدانها للسيادة، وقرارها الذي لا يصدر عنها، خصوصا وأن البرلمان تسيطر على إرادته أحزاب أقرب لتمثيل مصالح إيران منها لتمثيل مصالح شعبها المغلوب على أمره.
من هنا نفهم ردود فعل تركيا على الدراما السياسية المنطلقة من بغداد والتي تتحدّث بصراحة عما يجري، فوزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو صرّح أمس إن مشاركة مقاتلين شيعة في عملية لطرد تنظيم «الدولة الإسلامية» من مدينة الموصل لن تحقق السلام مطالباً بإشراك قوّات من أهلها دربتها القوات التركية، وهو أمر أيّدته منظمات حقوق إنسان إذ اقترحت (هيومن رايتس ووتش) أن تمنع الفصائل الشيعية من المشاركة لدورها في الانتهاكات الخطيرة التي تعرّض لها أبناء المدن السنيّة بعد اقتحامها.
إحدى النقاط التي وضعتها تركيا على الحروف أيضاً في قولها، على لسان وزير خارجيتها، إنها «لا تريد أن ترى عراقاً مذهبياً»، وإنها ترفض التغيير السكاني الجاري في العراق، كما أن رئيس وزرائها بن علي يلدريم أشار إلى فقدان العراق للسيادة حين قال إنه «بينما تتواجد بلدان لا علاقة لها بالمنطقة في العراق (في إشارة إلى أمريكا)، تتجاوز الحكومة العراقية حدودها بالحديث عن تركيا ذات التاريخ العريق في المنطقة، بهذا الشكل».
وفي وقت يتجاوز فيه الجنرال الإيراني قاسم سليماني صلاحيّات رئيس الوزراء العراقي والحكومة ووزارة الدفاع، يصبح الانتقاد المتعاظم للاحتلال» التركي وفقدان «السيادة» العراقية أقرب إلى مسرحية ساخرة منه إلى تصريحات حكومة حقيقية تملك زمام أمرها.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا