>

مكتبة الإسكندرية - د. عبدالمنعم سعيد

مكتبة الإسكندرية
د. عبدالمنعم سعيد

يمكن لكثيرين المنازعة فيما حدث أثناء فترة الرئيس الأسبق حسنى مبارك، فالتاريخ لا يزال حارا، والعواطف ملتهبة بين من ثاروا لأن ما جرى كان مخالفا لما يريدون، أو أنه كان أقل مما تستحق البلاد؛ أو من ثاروا على الثوار لأنهم أخلوا مسيرة كان الظن أنها سوف تصل بنا إلى ما نريد دون الثمن الذى دفعناه خلال السنوات الماضية. أيا ما كان الأمر، والتاريخ على أى حال لا نستطيع أن نقيمه مرتين: مرة على ما نهوي، ومرة كما حدث، لكى نقرر بعد ذلك ما نراه ملائما لمصر. أمر واحد أظنه لا يشمله خلاف ولا نزاع، بل وفيه قدر غير قليل من الفخر، ربما الإحساس لو أن كل الأمور سارت كما حدث فى مكتبة الإسكندرية، فربما ما كانت هناك حاجة لثورة، ولا لثورة عليها. فقد جاء التفكير فى مكتبة الإسكندرية من خارج الصندوق، أو على الأقل الصندوق الشائع عن تاريخ مصر الذى بات إما أنه كمجال للسياحة، أو أمر يخص المتخصصين. ومع ذلك جرى التفكير فى «المكتبة» التى لم تكن معبدا، ولا مزرعة، أو مدفنا، كانت مكانا للتفكير والفكر والثقافة فى مدينة مصرية كانت ساعة الإنشاء الأول من أهم العواصم العالمية، وربما لا ينافسها وقتها إلا روما حاضرة الإمبراطورية. أصبح مشروع المكتبة قرينا لفكرة البعث والإحياء لكى تكون حاضرة مع مطلع القرن الحادى والعشرين. كان فى الأمر إشارة مقصودة أو غير مقصودة أن مصر فى طريقها إلى إحياء جديد. ولحسن الحظ أن نقطة البداية العملية للمكتبة أتت مع الدكتور إسماعيل سراج الدين الذى مثل خلطة مصرية صميمة من الاقتصاد والاجتماع والأدب والمعرفة العالمية التى تبثها جامعة هارفارد فى طلابها. أصبحت المكتبة والإسكندرية معها على موعد مع شروق جديد.

مرت مياه كثيرة تحت الجسور منذ ذهبت إلى الإسكندرية والمكتبة آخر مرة، ربما منذ بداية عهد الثورات؛ ولكن تولى الصديق العزيز د. مصطفى الفقى مهمة إدارة المكتبة تضع المكتبة أمام مرحلة جديدة من تاريخها. ويعرف كثيرون التاريخ المشرف الخاص بصاحبنا، سواء كان فى رئاسة الجمهورية، أو السلك الدبلوماسي، أو المجالس النيابية، أو، ربما قبل كل ذلك وبعده، مكانته فى الساحة الثقافية التى يوزع فيها فكره وآراءه ما بين منابر متعددة. هذه المكانة الأخيرة للمثقف ميزته عن كثير من الساسة والدبلوماسيين حينما ينفصل الفكر عن الممارسة، فيه كان كلاهما سبيكة خاصة. بالنسبة لى فقد حفظت إعجابا خاصا له لأنه من ناحية يعتبر عميد خريجى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ وهذه بالمناسبة قبيلة خاصة من محترفى التفكير السياسى وإن تعددت مدارسهم ومنابعهم وأماكن عملهم؛ ومن ناحية أخرى أن الرجل عندما ترك العمل فى رئاسة الجمهورية لم يمض عليه شهور قليلة إلا وأخرج إلى الجمع الثقافى كتابين دفعة واحدة. وفى العادة فإن الخروج من المنصب يكون نهاية كثرة، ولكن مع الفقى فإنها كانت بداية التألق.

فى نهاية الأسبوع الماضى ذهبت أخيرا إلى الإسكندرية والمكتبة بعد فراق طال؛ ومع جمع من المثقفين فى زمن اختلف كثيرا عما كان عليه الحال أثناء إنشاء المكتبة، أو بعد بداية زمن الثورات. لم تعد مصر كما كانت، ولا كذلك أصبحت الإسكندرية، ولا البحر المتوسط، ولا العالم. انقلبت الدنيا رأسا على عقب، وفى ذلك الوقت الممتليء بالإثارة والانزعاج والإرهاب، بدأت مكتبة الإسكندرية مسيرتها الثانية مع قيادة جديدة لها تجربة غنية، وثقافة لا تقل غني، وربما أكثر عملية وتفهما لبيئة إقليمية أعيتها النوائب والحروب الأهلية. ولحسن الحظ أن البنية الأساسية للمكتبة قد قامت على أسس متينة، كما أن مجلس أمنائها وسمعتها الدولية يعطيها فرصة لكى تكون جسرا بين الإسكندرية ومصر، وكليهما والبحر المتوسط، والجميع والعالم. هكذا كانت مكتبة الإسكندرية فى الماضي، وهكذا ينبغى لها أن تكون فى الحاضر والمستقبل. المكتبة مع فنارة الإسكندرية ـ إحدى عجائب الدنيا السبع ـ كانت هداية ليس فقط للسفن التى تبحث عن مرفأ وشاطيء، وإنما عن الهداية الفكرية فى أوقات مضطربة. قيل إن عدد المخطوطات فى المكتبة فاق عدد سكان الإسكندرية، وربما كان الحال يقترب من ذلك الآن ليس فقط بحساب الكتب، أو الدوريات، أو ما أشبه، وإنما فى النفاذ إلى قواعد البيانات العالمية، وحركة الفكرة الذاهبة والغادية على شبكات التواصل العنكبوتية وغير العنكبوتية بين أركان الدنيا الأربعة.

قيادة الدكتور مصطفى الفقى بشرت بتوجهاتها مع أول الأعمال: برنامج تدريبى لمقاومة الإرهاب يجرى فى المكتبة على دورات مكثفة بين الشباب؛ ندوة عن إنشاء مركز للدراسات الإستراتيجية؛ وندوة بين المثقفين للنظر والتفكير فى المرحلة المقبلة من تاريخ المؤسسة العظمي. هذه الثلاثية من الأعمال التحضيرية تقود إلى توجه يمسك بتلابيب المرحلة التى نعيش فيها بخصائصها المعروفة، حيث تختبر الدولة على المحك بين البقاء والتمزق والانهيار؛ ويوضع الناس موضع الاختبار وعما إذا كانوا سيكون لديهم القدرة والشجاعة لكى يواجهوا تحديات لم يواجهوها من قبل. المهمة فى التفكير هى استعادة الدولة فى المنطقة، واستعادة الإقليم وأمنه واستقراره، واستعادة الدين الإسلامى من الذين خطفوه واغتصبوه، واستعادة التوجه نحو البناء والتنمية. المكتبة باختصار تحت قيادتها الجديدة ليست مكانا للكتب فقط، ولا هى شرفة للنظر للبحر المتوسط، أو هى خزانة لحفظ الوثائق والمخطوطات؛ وإنما هى أكثر من ذلك، منطلقا للتبشير، ومركزا للتفكير، وساحة للتفاعل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. الرسالة الأكبر هو أن تكون المكتبة إحدى المنصات المصرية التى تمتد فيها فكرة «البعث» و«الإحياء» التى تحدث فى القاهرة الآن إلى جميع أركان المدينة التاريخية السكندرية الممتدة فى عمق أعماق ما نسميه فى مجموعة الحضارة المصرية بأبعادها الفرعونية والهيلينية والرومانية والعربية والحديثة بحيث تمتد أجنحتها فى النهاية شرقا وغربا على امتداد ساحل ممتد للبحر المتوسط.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا