>

عندما نموت واقفين !


سرمد عبد الكريم*

تمر في الحياة , مراحل مختلفة وحسب مانعرف بان التوجهات والتطلعات تختلف من مرحلة لمرحلة .
ولكن بالنسبة لي انا سرمد عبد الكريم كانت الحياة منذ صغرنا ولحد الان لم يختلف توجهنا لها ولم تتغير
التطلعات ... وعندما نقارن بين سرمد والاخرين , فاجد الاخرين مفعمين بالحياة , لان الحياة مليئة
بالمتغيرات وهذا هو عنوان الحياة الطبيعي ...

ولذلك كنت دائما اتساءل لماذا بقيت ثابتا لا احب التغيير في كل مناحي الحياة واسال نفسي استجابة
للمقارنة الطبيعية مع الاخرين , هل انا حي ام ميت لان عدم الحركة احدى علامات الموت الشكلي
ولااقصد هنا الموت السريري .

منذ فترة صباي الاولى وانا احب الكتاب , واتطلع لمن كتب من فلاسفة وكتاب كبار لاتتناسب مؤلفاتهم مع عمري انذاك
فكنت في ايام الدراسة المتوسطة بمدينتي الجميلة البصرة , واذكر مثالا كتب ( كولن ولسن ) المعقدة جدا ,
معظم كتبه انهيتها وانا بالصف الثاني متوسط , وبعمر 14 سنة هذا جانب ومثال فقط من احدى جوانب
الحياة , لازالت مستمرة لحد الان اقرا لمؤلفين بعيدين عني بالمسافة والافق وقد يستغرب البعض اني مستمر
بهذا التوجه .

اكتب هذه اللمحة لعدة اسباب , لانني اتوقف بعض الوقت لمراجعة النفس , فوجدت انا اتوقف عندما احب
وقفة ثابتة لااتحرك ولا اغادر بينما الاخرين يتحركون .

وكنت ولازلت بسبب التربية والنشاة احب مساعدة الناس ومن ضمنهم حتى من قام بعمل اذاني فيه كسلوك
وعادة طيلة المراحل وهذه ايضا وقفة ثابتة غير متحركة ...


كنت ولازلت احرق نفسي , لانير الدرب لزملائي واصدقائي واهلي ومعظم الاحيان دون ان يشعر الاخر ..
وهذا ثابت غير متحرك ايضا ..

كنت دائما ايام شبابي الاولى احب كما يحب اقراني , تجريب كل شيء ومنها التدخين , لكن ارادتي وتربيتي
منعتني تماما من الاقتراب من الدخان , علما اننا عائلة تبيع التبغ والدخان ليس للبصرة فقط بل لكل المنطقة
واقصد الخليج وكانت محلات دخان العائلة علامة مميزة في البصرة ومع ذلك لم ادخن وايضا هذه وقفة
ثابتة غير متحركة ولذلك كنت وما زلت دائما اقرا ماكتبه (فوزي معلوف ) مغازلا السيكارة والدخان

تراني دوماً واللفافة في فمي تذوب كما ذاب المحب من الوجد
وألثمها لا لثمة الوجد إنما لماماً كتقبيل الفراشة للورد
فتبعث حولي زفرةً من دخانها تضوع منها الحب في نفحة الند

ومن ابياتها المميزة
أراك خيالاً في ضباب دخانها تغلغل من أحلامي البيض في برد
أرى فيه حيناً شكل عينٍ جميلةٍ وألمس حيناً فيه تكويرة النهد

وهنا دائما احلم بالسيكارة فهي تحترق لترفه عن من يسحب دخانها على حساب حياتها و عمرها
وسرعان ماينتهي العمر بالنسبة لها وتظل موقدة حتى اللحظة الاخيرة و تستمر الحياة وانا كنت ادخن
رغم عدم التدخين.

قد يستغرب القاريء سر هذه السطور ولماذا نكتبها الان وبهذا التوقيت بالذات ... السبب
انه في هذه الايام نرى تقلب المواقف بشكل سريع لتتحرك المواقف بشكل سريع و عنيف
ومضاد , وهي صفة الحياة بالقياسات الطبيعية , لكنني اراها الموت الحقيقي بمقياسي الخاص

فتغير المواقف له سبب نفسي و شخصي لكل الناس وهي عادة التشبث بالحياة من زاوية
مصلحية بحتة ... لكن ظهرت بالعراق بشكل خاص فمن صفق للملك فيصل الاول هو نفسه
من هتف لسقوط الملك الشاب فيصل الثاني رحمه الله , وهم انفسهم من نفذوا ابشع جريمة
مقززة بقتل الاسرة المالكة صغارهم وكبارهم , وقاموا بالتمثيل بجثثهم بطريقة بشعة جريمة
لايقبلها لا المنطق ولاتقبلها النفس السوية ...
وهم انفسهم من صفقوا وهتفوا لكريم قاسم ( اللي مايصفك عفلقي .. وماكو زعيم الا كريم !)
وسرعان ما سحلوا جثة كريم قاسم بعد اعدامه 3 مرات بعد نبش قبره , الا ان تم التخلص من جثمانه برميه
في نهر ديالى ! ولذلك لايوجد قبر لعبد الكريم قاسم !
ونفس المجموعة رقصت وهتفت لعبد السلام عارف والجميع رقص وهتف للمرحوم احمد
حسن البكر , اما صدام حسين رحمه الله فقد تم تاليهه , ونفسهم من رقص عند اغتياله (اعدامه)
وانا اؤكد للقاريء سنراهم يرقصون عندما يتم تشييع نظام الاحتلال وزبانيته ... قريبا انشاء الله

هذه الهتافات والرقصات الانتهازية الوصولية كلها متحركات , وجزء من الشخصية العراقية
المتوارثة عبر التاريخ , فمن قتل الامام الحسين (ع) , هو نفسه من قتل حفيده فيصل الثاني
وبنفس الطريقة وبنفس البشاعة .. وهم ايضا من اغتال صدام واحتفلوا باعدامه !

فحفلات الاعدام والقتل لم تنقطع منذ الاف السنين بالعراق وهي احداث متحركة ثابتة
موضوعا ومتحركة شكلا ...



ماذا نريد ان نقول .... ببساطة شديدة انا لااصدق كل مااراه او اسمعه لا من سياسيين او اعلاميين
فالكل للاسف يكذب ... ويستطيع العراقي ان يكتشف كذبهم منذ اللحظة الاولى لان هذا العراقي المتحرك
معروف ايضا بخاصية الفراسة ولكنه يقبل كذبهم ويعيش مع هذه الكذبة ويتفاعل معها , حتى يتم سكب
الماء البارد المثلج على راسه ليفيق من هذه الحالة , لكن بكل تاكيد ستكون الصحوة لفترة قصيرة , فحال
جفاف الماء وذوبان الثلج سيقبل ضميريا كذب الكاذبين ( وعلى حس الطبل خفن يارجليه !).

مللنا هذا اللعب يا شعبي العظيم يامن علم البشر مفهوم (حقوق الانسان) باقدم قانون ودستور وضع على الارض
لنتعلم كيف تهذب النفس ونسال خريجي اقدم جامعات الارض ومدارسها ايام سومر وبابل واكد واشور وصولا
للمستنصرية ...

مللنا هذه الشخصية المتذبذة المتحركة المهرولة باتجاه من يذبحها كما ذبح الامام الحسين وكما ذبح فيصل الثاني وقاسم وصدام
متى ارى علمنا يلثم السما .. كما نردد في نشيد موطني !

بعد هذا الزمن الطويل فهمت ان التحرك والهرولة هو الموت , وان الثبات والاستقرار هو الحياة .

فلذلك بدلت مصطلحاتي و مفاهيمي فالحياة هو الموت والموت هو الحياة
وهنا اقول عندما نموت لنموت واقفين !! ثابتين عندها سنعرف ان الموت هنا مكاني فقط اما الزمن هو المتحرك
ولكن عندما نموت ونحن نركض سنموت مكانيا وزمانيا لاننا اصلا نحن فقدنا الزمن بعد ان اطلقناه في اول حضارة
ازدهرت على الارض .
لذلك اسال من هو الثابت زمنيا الان , حمورابي الميت ام مدحت المحمود الحي ؟
فقانون حمورابي حيا لايزال يتحرك بينما قانون مدحت ميت وهو يتحرك ...

لذلك عندما قال البعثيين

لما سلكنا الدرب كنا نعلم
ان المشانق للعقيدة سلم
بعث تشيده الجماجم والدم
تتهدم الدنيا ولا يتهدم.

كلمات ثابتة عاشت بمن رحل فصدام قالها وعاشها ورحل وهو يرددها بينما بعثيين الاسم اخرين يرددون هذه الابيات
وهم اموات رغم انهم يتنفسون الهواء للاسف !
فالبعث مات بموتهم وهو ميت بمن يعيش الان من منافقين وسراق وكذبه !

اختم بخلاصة صغيرة وجدت اننا نعيش لوحة رسمت بريشة الكاتب المبدع والفنان احسان وفيق السامرائي
او منلوج غنائي لعزيز علي ..


والحر تكفيه الاشارة .

كاتب و اعلامي عراقي مدير وكالة الاخبار العراقية (واع)



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا