>

انتحار رئيس - محمد إبراهيم الدسوقي

انتحار رئيس
محمد إبراهيم الدسوقي

كل حرب وشيكة لها مقدماتها واستعداداتها ومخاطرها الظاهرة والخفية، وإن طبقت هذه القاعدة على ما نراه الآن من تراشق لفظى وتهديدات متبادلة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، فالراجح سيكون أن الأحاديث والهمسات المتواترة فى الميديا والأوساط السياسية الدولية عن أن الحرب تدق أبواب شبه الجزيرة الكورية غير موفقة ولا تجيد قراءة المعطيات الواقعية المتصلة بالأزمة الكورية المستعصية على الحل حتى ساعتنا الراهنة.

فثمة ملاحظات مهمة تخص العلاقات الأمريكية الكورية الشمالية يتوجب طرحها والإمعان فيها قبل إصدار حكم قاطع بنشوب الحرب، لأنها تحمل فى ثناياها تفسيرا وشرحا وافيا لسلوك واشنطن وبيونج يانج.

الملاحظة الأولي: أن الفصل الجديد من الأزمة الكورية كان من المرات النادرة التى اجتمع فيها رئيس أمريكى وزعيم كورى شمالى على أرضية مشتركة، إذ جرت العادة أن تقف كوريا الشمالية وحيدة على أرضية يتصف أداؤها فيها بالرعونة والتهور ومجافاة الكياسة الدبلوماسية فى خطاباتها وتعليقاتها الرسمية المفضلة الجانب الاستعراضى واختيار الفاظ وتعبيرات دعائية فجة، ولذلك ظلت محل انتقاد دائم، بسبب عنادها وتصلبها ورفضها مبدأ التفاوض كأساس يُبنى عليه لإنهاء أزمة برنامجها النووي، وتجاربها الصاروخية والنووية المتواصلة.

وها هو ذا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يستخدم التكتيك الكورى الشمالى باشعاله عن قصد الأزمة بتوعده الكوريين الشماليين بالنار والغضب، إن استمروا فى غيهم النووي، وهددهم بشن حرب نووية بطريقة «المصارعة الحرة» التى يعشقها الأمريكيون لدرجة الإدمان، حيث يتوسط اللاعبان المتنافسان الحلبة ويرمقان بعضهما البعض بنظرات نارية، ثم يبدآن فى سرد إنجازاتهما ومعايرة كل منهما الآخر بهزائمه الماضية، وبعدها يتواعدان على الالتقاء فى مباراة حاسمة داخل قفص حديدى دون التقيد بقواعد اللعبة، يفعلان ذلك بأداء تمثيلى باهت يُفقد ما يدور صفة الجدية.

والظاهر أن ترامب لم يُقدر التقدير السليم لعواقب تصريحاته التى لم يتشاور بشأنها مع مساعديه المقربين الذين فاجأتهم حدتها وسلوكه الفردى غير المنضبط، فقد سارع ـ ترامب ـ إلى شن حربه الكلامية ضد كوريا الشمالية بعدما طالع تقريرًا نشرته الأسبوع الماضى صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بصدد نجاح بيونج يانج فى انتاج رأس نووى صغير، ولم يطلع مستشاريه مسبقا على ما سيقوله ردا عليه، وتمادى فى هجومه رافضًا التراجع عنه، معتبرًا أنه لم يكن حادًا بالصورة الكافية، وأن سابقيه فى البيت الأبيض أضاعوا وقتهم فى السير خلف النهج الدبلوماسى الذى لا يفهمه الزعيم الكورى الشمالى «كيم جونج أون». أطراف كثيرة فى الولايات المتحدة استشعرت خطرًا من اندفاعات ترامب واستفزازاته المتوالية لكوريا الشمالية، حتى إن الرئيس الأسبق جيمى كارتر اشترك مع 60 نائبا ديمقراطيا بالكونجرس فى توجيه خطاب لوزير الخارجية الأمريكية تيلرسون طالبوه فيه بالتدخل لضبط تصريحات الرئيس التى تتسبب فى اثارة أزمات دولية فى غير أوانها.

بعدها ردت بيونج يانج متوعدة بمهاجمة جزيرة «جوام» الواقعة فى المحيط الهادئ وتبعد عن كوريا الشمالية ثلاثة آلاف كم، وتبلغ مساحتها 541 كم تشغل ربعها قواعد عسكرية أمريكية تتولى التعامل مع الأوضاع الطارئة فى الجزء الشرقى من القارة الآسيوية، وتخرج منها القوات الأمريكية المشاركة فى المناورات السنوية مع كوريا الجنوبية، وفى التقييم النهائى فان ترامب وكيم جونج أون حركهما إحساسهما المتضخم بالقوة، خاصة عناصرها غير التقليدية.

الملاحظة الثانية: إنه لا يوجد على الأرض ما يفيد بالتجهيز لحرب، فإن كانت أمريكا عازمة حقا على خوضها فسوف تقوم بإجلاء الآلاف من رعاياها فى كوريا الجنوبية والبلدان المجاورة، وتدفع بتعزيزات عسكرية بمناطق العمليات، مثل سفن حربية، وغواصات، وقاذفات، وحاملات طائرات، بالإضافة إلى اجراء مشاورات مع القوى الإقليمية لاطلاعها على ما ستفعله وأهدافه، وتلك مسألة تستغرق عدة أسابيع وربما أشهر ولا نرى أى ارهاصات لها، وكان السيناتور الجمهورى الأمريكى جون ماكين محقا عندما قال: «لا يهدد القادة العظماء أعداءهم إلا إذا كانوا جاهزين للتحرك» .

ولا نحتاج لبيان أن الاطراف الإقليمية والدولية مجمعة على رفض الحرب، فلا القوى الإقليمية كاليابان والصين وروسيا محبذة اندلاعها وتحمل عناء إخمادها وخسائرها الأمنية والاقتصادية قصيرة وبعيدة المدي، ولا المؤسسات العالمية كالأمم المتحدة تود إعطاء الضوء الأخضر لكارثة قد تنقلب فى ثانية لحرب عالمية ان تدخلت القوى المؤيدة لطرفى النزاع.

الشطر الشمالى ورغم ما يعلنه دوما باستعداده للمعركة مع أمريكا وغيرها يدرك أن مقدرته على احتمالها ضعيفة للغاية، فهو سيفكر ملايين المرات قبل الضغط على زناد الأسلحة النووية، لأنه غير مهيأ للتعامل مع نتائجها، وبنيته الأساسية والاقتصادية هشة ويسهل تدميرها خلال لحظات، وإن كانت أحد مصادر قوته المدفعية الثقيلة المنصوبة عند خط الهدنة القريب من سول عاصمة كوريا الجنوبية فان الجيش الكورى الجنوبى لديه أسلحة متقدمة تستطيع تحييدها فور اطلاقها، والنقطة الأهم أن الجيش الكورى الشمالى لم يختبر حديثا فى معارك ولم يشترك فى مناورات مع أى طرف خارجى ولا حتى ضمن قوات حفظ السلام الدولية، وأسلحته التقليدية عتيقة جدا.

الملاحظة الثالثة: أن ترامب ومواقفه تعد من بين عوامل تراجع الثقة فى مصداقية أمريكا وقيادتها للعالم، ففى الأزمة الجارية حاليا بدت أمريكا فى دور الفتى الطائش المنفلت عياره الذى يعبث باستهتار بالغ بالسلم والأمن العالميين، بينما ارتدت الصين ثياب الفتى العاقل المتزن الداعى للتهدئة وتحكيم العقل، واتضح الفارق الشاسع فى الأداء السياسى بين البلدين، وخرجت بكين رابحة ومستعدة لجنى الثمار، فى حين خسرت واشنطن ولم تكن بالمستوى المتوقع.

اجمالا لا تراهنوا كثيرا على فقاعة التهديد والوعيد بين أمريكا وكوريا الشمالية، لأن أيا من الزعيمين لو أقدم على اتخاذ قرار بدء الحرب سيكون قد وقع رسالة انتحاره سياسيا وعسكريا.

Desouky22@hotmail.com



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا