>

المتظاهرون العراقيون يتلقون حزمة إصلاحات أم قصبا أجوف! / هيفاء زنكنة



المتظاهرون العراقيون يتلقون حزمة إصلاحات أم قصبا أجوف! / هيفاء زنكنة


زحفت شعارات المتظاهرين في (11) محافظة عراقية، منذ ثلاثة أسابيع، من المطالبة بالتزود بالكهرباء، إلى المطالبة بتقديم المسؤولين «الحرامية» إلى القضاء، إلى محاكمة القضاء الفاسد نفسه وتطهيره من المفسدين، إلى اتهام رموز الأحزاب السياسية والدينية الحاكمة بالنهب وتدمير البلد.
في سيرورة توضح التطور التدريجي للمطالب المتوازية مع حجم الفساد الناخر لكل الحكومة ومؤسساتها، وأكثر مظاهره تبديا هو جحيم نقص الكهرباء، وعدم عمل المراوح ومكيفات الهواء وقلة الماء، بعد أن تجاوزت درجات الحرارة وما يحيط بها حدود التحمل الانساني.
وبعد أن تجاوز صبر مواطني واحدة من أغنى الدول المدى، وبعد اعتراف رسمي من الحكومة بتصاعد نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر إلى 22.5٪ ، وبينهم ملايين النازحين ومَن يعيشون على ما يلتقطونه من القمامة.
لنبدأ بملحمة الكهرباء. وصف أحد المعلقين الأمريكيين التظاهرات، ساخرا، بأنها انتفاضة مكيفات الهواء، استمرارا لنهج الإعلام الغربي، السائد، في التخفيف من مسؤوليتهم في الكارثة العراقية، ولعدم قدرتهم على التعامل مع نضال وطني خارج منظوري الإرهاب والطائفية، ولكن هل هي مسألة مكيفات هواء فقط؟.
إن الاحتجاج على انعدام التيار الكهربائي هو الشرارة التي يأمل المتظاهرون أن تجعل الأرض صالحة ليبني الشعب بيته، فالتزود بالتيار الكهربائي لا يعني تشغيل مكيفات الهواء، فقط، بل يعني القدرة على الانتاج والصناعة وتسيير المعامل وتنقية المياه وإدارة المستشفيات.
إنه شريان الحياة وبدونه يعود البلد إلى العصر الحجري، وما يزيد من حجم المصيبة هو توفر الأموال والعقود تم توقيعها مرات ومرات، بالملايين، وأكبرها مع هيونداي الكورية وسيمنز الألمانية التي وصلت المليارات، والكهرباء لا تزال سرابا يحلم به المواطنون في أيام جحيمهم.
فما هو سر تأخر البلد بميزانيته الهائلة إن لم تكن بطون الساسة الفاسدين التي توسعت فلم تعد تشبع؟
المطالبة الثانية هي إصلاح الجهاز القضائي المسير سياسيا والفاسد إلى حد النخاع، هناك عشرات التقارير الحقوقية العراقية والدولية، الموثقة لحجم فساد الجهاز القضائي الذي لا يتجرأ أحد على تغييره، كونه أداة توافق الساسة والميليشيات على اقتسام غنيمة السلطة عندما يتم ذلك الاتفاق، ولشرعنة سيطرة الكتلة الغالبة عبر التوافقات الأمريكية الإيرانية كما حدث في الولاية الثانية لنوري المالكي.
إنه ذات الجهاز الذي أصدر أحكام الإعدام بحق مئات المواطنين المتهمين نتيجة استخلاص الاعترافات تحت التعذيب وتقارير المخبر السري، ذات الجهاز الذي، بسببه يطوي آلاف المعتقلين سنوات حياتهم في ظلمة السجون بلا جريمة، باستثناء التطهير الطائفي تحت راية رئيس الوزراء السابق وكانت رئاسة الجهاز القضائي بيدقه.
الجانب الثالث في سيرورة التظاهرات هي التغير التدريجي في الموقف من المرجعية الشيعية ورفض استخدام الدين لحماية الفساد، فبينما وقفت المرجعية أو وكلاؤها الناطقون باسمها (لأنها غير ظاهرة للعيان) مراقبة عن مبعدة تظاهرات الشعب على مر السنوات الماضية، على تعدد مطالبها، من بينها وضع حد للاعتقالات والتهجير القسري، ووقوف الأمهات الصابرات على أبواب السجون بانتظار أية معلومة عن أحبتهن.
نطقت المرجعية، هذه المرة، لكي تحمي النظام الآيل للسقوط وان تم تقديم صوتها كدعم لمطالب المواطنين. وأبدى المتظاهرون كرما في تقدير موقف المرجعية وكل من يساندهم للقضاء على آفة الفساد.
وسارع رئيس الوزراء حيدر العبادي للإمساك بطوق النجاة الذي رمته له المرجعية مقدما ما تمت تسميته « حزمة» اصلاحات لا تزيد عن كونها ، عند تمحيص فحواها واستحالة آلية تنفيذها، حزمة قصب أجوف، حزمة سرعان ما أدرك المتظاهرون لا جدواها فقرروا استمرار التظاهرات مطالبين بتنفيذ الوعود؛ اذ كيف يصلح الفاسد الفساد؟ وهل من الممكن ائتمان الحرامي على مقتنياتك؟.
ردا على اصرار المتظاهرين، لملمت قيادة التحالف الحاكم شتات نفسها وانطلقت، بعد اجتماع شامل لها، في (20) آب، بإطلاق مناورة تستند الى أربعة محاور لاحتواء التظاهرات بعد أن عجزت عن اتهامها بالطائفية.
المحور الأول هو اتهام المتظاهرين بالتعاون مع قوى خارجية ، كما ذكر هادي العامري، رئيس ميليشيا بدر المدعومة إيرانيا (السومرية نيوز)، وهو إتهام مجاني واسطوانة الانظمة القمعية المشروخة.
المحور الثاني هو الاتهام بالإرهاب: حيث صرح عمار الحكيم (وهو المرشح لقيادة الائتلاف الشيعي الحاكم) بأن التظاهرات ليست عفوية شعبية، بل خططتها داعش كمحاولة لتخفيف الضغط عليها ولإرباك الأمن في المحافظات الجنوبية خاصة في البصرة.
يصب المحور الثالث في زيادة التفجيرات في الأسواق والمناطق الشعبية ومن ثم اتهام المتظاهرين بها بشكل أو بآخر وعلى الأقل القول أن التظاهر يسمح للمندسين والإرهابيين، أو يستنزف القوى الأمنية.
ويراهن المحور الرابع على مضايقة المتظاهرين والمعتصمين بمختلف الطرق بدءا من نصب نقاط التفتيش وسد الطرق أمامهم، كما يحدث ببغداد، ومرورا بمداهمة الخيام وضرب المعتصمين، كما حدث في البصرة، بالإضافة إلى فضّ الاعتصامات بالقوة واستخدام الهراوات ورشهم بالمياه من قبل «قوات الشغب» كما حدث بمدينة بابل وكربلاء، أو من قبل مسلحين تتنصل منهم أجهزة الأمن، وما أكثرهم في دولة المليشيات.
إن التظاهرات والاعتصامات الحالية، في (11) محافظة، في مختلف أرجاء البلاد، استمرار لتظاهرات (25) شباط 2011م و (23) كانون الأول 2014م السلمية، التي تم قمعها بوحشية تميز بها النظام على مدى سنوات حكمه.
وتأتي التظاهرات لتؤكد أن مذاق الظلم واحد وهي صوت الشعب المهمش ضد ساسة عاملوه على مدى (13) عاما باستهانة واحتقار، بيّنت المظاهرات، إلى جانب انخراط جماهير شعبية عمالية وكادحة واسعة، نضوجا شبابيا واضحا تجاه محاولات استثمارها من قبل أطراف العملية السياسة الفاسدة، وأطرافا انتهازية أخرى، وبتعميم مواقف وطنية معادية للمحاصصة ومن أولوياتها استعادة الكرامة والعدالة والسيادة والثروة الوطنية، ولن يتم ذلك إلا بمواصلة الاعتصام وتفكيك مناورات الاحتواء والتزييف.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا